“المركزي” يعيد رسم خريطة استثمارات البنوك في أدوات الدين
دخلت استثمارات البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق، مرحلة جديدة من الرقابة والتنظيم، بعد إصدار البنك المركزي ضوابط أكثر تشددًا تحكم آليات الاكتتاب والاستثمار في تلك الأدوات، في خطوة تستهدف تعزيز سلامة القطاع المصرفي والحد من المخاطر الائتمانية المرتبطة بتوسع البنوك في تمويل شركات القطاع المالي غير المصرفي.
وتضمنت الضوابط الجديدة، إلزام البنوك بوضع سياسات استثمارية معتمدة من مجالس الإدارات، وتحديد حدود قصوى للاستثمارات على مستوى المحفظة الاستثمارية والقطاع والجهة المصدرة، إلى جانب اشتراط حد أدنى للتصنيف الائتماني لا يقل عن (BBB-) بالنسبة للإصدارات المؤهلة للاستثمار، مع إدراج تلك الاستثمارات ضمن حدود التركز الائتماني للعميل الواحد.
ويرى متعاملون، تحدثوا لـ”البورصة”، أن القرار يعكس توجهًا رقابيًا واضحًا نحو تعزيز إدارة المخاطر داخل القطاع المصرفي، خاصة في ظل النمو المتسارع الذي شهده نشاط التوريق وإصدارات أدوات الدين خلال السنوات الأخيرة، إلا أنهم اختلفوا حول حجم تأثيره على شركات التمويل غير المصرفي، بين من اعتبره خطوة ضرورية لحماية أموال المودعين، ومن رأى أنه قد يرفع تكلفة التمويل ويطيل دورة تنفيذ عمليات التوريق مستقبلًا.
شفيع: حماية القطاع المصرفي أولوية.. وتقليص مخاطر انتقال الأزمات
قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة أسطول القابضة، إن الضوابط الجديدة تستهدف في المقام الأول حماية القطاع المصرفي وأموال المودعين، من خلال ضبط حجم استثمارات البنوك في أدوات الدين الصادرة عن شركات القطاع المالي غير المصرفي.
وأوضح أن البنوك تعتمد في استثماراتها على ودائع العملاء، ما يجعل من الضروري وجود إطار رقابي يحدد حدود المخاطر المقبولة ويمنع التركز المفرط في استثمارات مرتبطة بجهات أو قطاعات بعينها.
وأضاف شفيع، أن توسع البنوك خلال السنوات الماضية في الاكتتاب بسندات التوريق وسندات الشركات أسهم في توفير مصادر تمويل مهمة لشركات التمويل الاستهلاكي والعقاري والتأجير التمويلي والتخصيم، إلا أن استمرار هذا التوسع دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى انتقال المخاطر من هذه الشركات إلى القطاع المصرفي حال تعرض أي منها لصعوبات مالية.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي للقرار ليس تقييد نشاط التمويل غير المصرفي، وإنما حماية المنظومة المالية بأكملها من مخاطر التركز، بما يضمن استمرار تدفق التمويل بشكل أكثر استدامة وأقل مخاطرة.
وتوقع شفيع، أن يكون للضوابط الجديدة تأثير مباشر على شركات التمويل غير المصرفي، خاصة تلك التي تعتمد بصورة كبيرة على التوريق كأداة رئيسية لتوفير السيولة اللازمة للتوسع في النشاط.
وأوضح أن بعض البنوك قد تصبح أقل قدرة على الاكتتاب بالمعدلات السابقة نتيجة الحدود الجديدة، ما قد يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل تمويلية أخرى أو توسيع قاعدة المستثمرين المستهدفين في الإصدارات المقبلة.
وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع نسبي في تكلفة التمويل، خصوصًا بالنسبة للشركات ذات التصنيفات الائتمانية الأقل أو التي تعتمد بصورة مكثفة على إصدارات التوريق المتكررة.
ورغم ذلك، استبعد شفيع أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تباطؤ حاد في منح التمويلات، موضحًا أن التأثير الأكبر سيظهر في زيادة مستويات التدقيق والفحص المسبق قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، بما يجعل الحصول على التمويل مرتبطًا بشكل أكبر بقوة المركز المالي للشركة وجودة أصولها ومدى التزامها بالمعايير الرقابية.
وحذر من أن تشديد شروط التمويل قد ينعكس بصورة غير مباشرة على نشاط التمويل الاستهلاكي، من خلال تقليص قدرة بعض الشرائح على الحصول على التمويل، وهو ما قد يؤثر بدوره على الطلب على السلع المعمرة وحركة التجارة الداخلية.
وأكد أن هذه التداعيات تمثل تكلفة انتقالية طبيعية لأي عملية إصلاح رقابي تستهدف تعزيز الاستقرار المالي، مشددًا على أن حماية أموال المودعين تظل أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
الفقي: القرار يعزز العدالة ويمنع تركز السيولة لدى عدد محدود من الشركات
من جانبه، قال محمد الفقي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “سيمبل” لخدمات الشراء الآن والدفع الآجل، إن الضوابط الجديدة تحمل جانبًا إيجابيًا مهمًا يتمثل في تعزيز تكافؤ الفرص بين الشركات العاملة في القطاع المالي غير المصرفي.
وأوضح أن وضع حدود قصوى لاستثمارات البنوك في كل شركة أو إصدار يحد من ظاهرة تركز التمويلات لدى عدد محدود من الشركات الكبرى، وهو ما قد يفتح المجال أمام شركات أخرى للحصول على نصيب أكبر من السيولة المتاحة بالسوق.
وأضاف الفقي، أن القطاع المالي غير المصرفي يضم عددًا كبيرًا من الشركات العاملة في أنشطة متنوعة، وبالتالي فإن توزيع استثمارات البنوك بصورة أكثر توازنًا يساهم في تعميق السوق وتقليل المخاطر المرتبطة بتركز التمويلات.
وأشار إلى أن عمليات التوريق أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم أدوات التمويل المستخدمة من جانب الشركات الكبرى، إذ لجأت بعض الشركات إلى تنفيذ أكثر من عملية توريق سنويًا لتوفير السيولة اللازمة للتوسع والنمو.
واستبعد الفقي، أن تؤثر الضوابط الجديدة بصورة جوهرية على نشاط التمويل، موضحًا أن التوريق يمثل قناة تمويلية مهمة لكنه ليس المصدر الوحيد للسيولة بالنسبة للشركات.
وأضاف أن طبيعة التوريق نفسها تختلف عن التمويل المباشر، إذ تعتمد على بيع محافظ قائمة بالفعل وتحويلها إلى أوراق مالية قابلة للتداول، وهو ما يجعل تأثير القيود الجديدة على النشاط التشغيلي للشركات محدودًا نسبيًا.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإجراءات المستحدثة قد تؤدي إلى إطالة الفترة الزمنية اللازمة لإتمام بعض الإصدارات، خاصة مع اشتراط الحصول على موافقات إضافية من مجالس إدارات البنوك وإخطار البنك المركزي في بعض الحالات.
وأوضح أن زيادة المتطلبات الرقابية غالبًا ما تنعكس على مدة تنفيذ العمليات، وربما تؤدي أيضًا إلى ارتفاع محدود في التكلفة النهائية لبعض إصدارات التوريق والسندات.
عبدالحميد: التحدي الحقيقي في آليات التطبيق وليس في نص القرار
وقال أيمن عبدالحميد، العضو المنتدب لشركة الأولى للتمويل العقاري، إن الضوابط الجديدة تندرج في إطار الدور الرقابي الطبيعي للبنك المركزي لإدارة المخاطر داخل القطاع المصرفي، إلا أن الحكم على آثارها الفعلية ما زال سابقًا لأوانه.
وأوضح أن القرار يتضمن عددًا من البنود التي تحتاج إلى مزيد من التفسير والتوضيح، وهو ما يجعل تقييم انعكاساته على أنشطة التمويل غير المصرفي أمرًا صعبًا في المرحلة الحالية.
وأضاف عبدالحميد، أن التخوف الرئيسي لا يرتبط بنصوص الضوابط نفسها، وإنما بطريقة تطبيقها من جانب البنوك، مشيرًا إلى أن تبني سياسات أكثر تحفظًا قد يؤدي إلى تشديد شروط التمويل على الشركات العاملة في القطاعات غير المصرفية.
وأشار إلى أن قطاع التمويل العقاري يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار تدفق السيولة من البنوك وأسواق الدين، وبالتالي فإن أي توجه نحو التشدد المبالغ فيه قد يفرض ضغوطًا إضافية على الشركات العاملة بالسوق.
وأكد عبدالحميد، أن الصورة النهائية لتأثير القرار ستتضح بعد بدء التطبيق العملي ورصد تعامل البنوك مع الضوابط الجديدة خلال الأشهر المقبلة.
أحمد: تنويع المحافظ الاستثمارية يقلل المخاطر ويحافظ على السيولة
وقالت ولاء أحمد، رئيس قطاع البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن الكتاب الدوري الصادر عن البنك المركزي يعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز إدارة المخاطر المرتبطة باستثمارات البنوك في أدوات الدين.
وأوضحت أن استثمارات البنوك في السندات تعتمد بشكل أساسي على أموال المودعين، وهو ما يبرر تشديد الضوابط المنظمة لها، لضمان توجيه هذه الأموال نحو استثمارات تتمتع بدرجات مناسبة من الأمان والجدارة الائتمانية.
وأضافت أحمد ، أن القرار ركز بصورة خاصة على معالجة مخاطر التركز، سواء على مستوى المحافظ الاستثمارية أو على مستوى الشركات المصدرة، بما يدعم تنويع الاستثمارات ويحد من تعرض البنوك لمخاطر جهة أو قطاع واحد.
وأشارت إلى أن التنويع يعد أحد أهم المبادئ الأساسية لإدارة المخاطر، إذ يحد من التأثير السلبي المحتمل لتعثر أي شركة أو إصدار على المركز المالي للبنك.
ولفتت إلى أن الضوابط الجديدة لا تستهدف فقط الحد من المخاطر الائتمانية، وإنما تسعى أيضًا إلى الحفاظ على مستويات مناسبة من السيولة داخل الجهاز المصرفي، بما يضمن قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين والاستمرار في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وأضاف أحمد، أن اشتراط حد أدنى للتصنيف الائتماني عند مستوى (BBB-) يعكس حرص البنك المركزي على توجيه استثمارات البنوك نحو أدوات تتمتع بملاءة ائتمانية مقبولة، ما يقلل احتمالات التعثر ويحافظ على استقرار القطاع المصرفي.
وأكدت أن مجمل الضوابط الجديدة يمثل خطوة استباقية لتعزيز الاستقرار المالي، وتقوية منظومة إدارة المخاطر داخل البنوك، بما ينعكس إيجابًا على سلامة الجهاز المصرفي وقدرته على مواجهة التقلبات الاقتصادية.
وفي المحصلة، تبدو الضوابط الجديدة بمثابة محاولة لتحقيق توازن دقيق بين استمرار دعم أنشطة التمويل غير المصرفي من جهة، والحفاظ على سلامة البنوك واستقرار النظام المالي من جهة أخرى، وهو توازن ستحدد نتائج تطبيقه ملامح سوق أدوات الدين خلال الفترة المقبلة.



