التوترات الجيوسياسية ترفع مكاسب منتجى الأسمدة المحليين
تبدو شركات الأسمدة في مصر أمام فرصة استثنائية لتعزيز صادراتها وتحقيق تدفقات دولارية أعلى في ظل القفزة الحادة في أسعار اليوريا عالميًا، مع اضطراب الإمدادات من منطقة الخليج التي تمثل نحو 30% من تجارة الأسمدة عالميًا، غير أن هذه الفرصة لا تأتي من فراغ، بل ترتبط بإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، حيث أدت التوترات الجيوسياسية وتعطل خطوط الشحن إلى ارتفاع أسعار اليوريا بأكثر من 60% في بعض الفترات، وسط نقص المعروض عالميًا.
وتبرز مصر كأحد المستفيدين المحتملين، مدعومة بميزة جغرافية تسمح لها بالنفاذ المباشر إلى الأسواق الأوروبية دون المرور بممرات مضطربة مثل مضيق هرمز، وهو ما يمنح صادراتها مرونة وسرعة أكبر. كما أن نحو 40% إلى 50% من إنتاجها من الأسمدة يتم توجيهه بالفعل للتصدير، ما يعزز قدرتها على اقتناص حصة سوقية إضافية.
لكن على الجانب الآخر، تظل المعادلة غير مكتملة دون النظر إلى تكلفة الإنتاج، خاصة أن صناعة الأسمدة تعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، تتآكل جزئيًا هوامش الربحية، ما يعني أن استفادة الشركات مرهونة بقدرتها على موازنة ارتفاع الأسعار مع تكلفة المدخلات.
وتلك المعطيات تجعل أسهم قطاع الأسمدة مرشحة للاستفادة، ولكن ليس بمعزل عن قطاع البتروكيماويات ككل، الذي يمثل الامتداد الصناعي لهذه الطفرة. فزيادة الصادرات لا تعني فقط تحسن نتائج شركات الأسمدة، بل تمتد لتدعم سلاسل القيمة المرتبطة، من الأمونيا إلى الصناعات الكيماوية الوسيطة، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على أداء القطاع ككل في البورصة.
وتُظهر توقعات أحدث التقارير الصادرة عن مجموعة البنك الدولي أن أسعار الأسمدة ستشهد ارتفاعاً بنسبة 31% في عام 2026، مدفوعةً بقفزة لافتة وصلت إلى 60% في أسعار اليوريا، كما يُتوقّع أن تبلغ القدرة على تحمّل تكاليف الأسمدة أسوأ مستوياتها منذ عام 2022 منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
مرعى: التوترات الحالية انعكست إيجابًا على القطاع
وأوضحت إيمان مرعي مدير إدارة البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية، أن التوترات الحالية انعكست إيجاباً على قطاع الأسمدة من زاوية ارتفاع أسعار البيع، ما يدعم إيرادات الشركات خلال الفترة الحالية.
وأضافت أن التحدي الرئيسي في السوق المحلي لا يرتبط بتكلفة الغاز الطبيعي بقدر ما يرتبط بتوافره، خاصة في ظل زيادة الضغوط خلال أشهر الصيف، مشيرةً إلى أن تسعير الغاز يتم وفق معادلة تأخذ في الاعتبار أسعار اليوريا في الأسواق التصديرية، ما يخفف من تأثير تقلبات الأسعار على الشركات.
وأشارت إلى أن القطاع يظل معرضًا لمستويات مرتفعة من المخاطر، في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما قد ينعكس في صورة نقص بإمدادات الغاز لمصر، بما يؤثر سلبًا على الشركات المنتجة، لا سيما في قطاع الأسمدة.
وتوقعت مرعي تحسنًا في ربحية الشركات خلال الفترة الحالية، مدفوعًا بالارتفاع الملحوظ في أسعار البيع مقارنة بمستويات العام الماضي، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالإمدادات.
فريج: أسهم البتروكيماويات والمواد الأساسية من بين الأفضل أداءً فى السوق
قال محمد فريج رئيس قسم البحوث والتطوير بشركة حلوان لتداول الأوراق المالية، أن قطاع البتروكيماويات والمواد الأساسية يُعد من أبرز القطاعات الواعدة في سوق الأسهم خلال الفترة الحالية، لافتًا إلى أنه شهد تحركات ملحوظة منذ اندلاع الحرب في المنطقة، وهو أمر طبيعي في ظل الارتباط الوثيق بين أداء هذا القطاع وتطورات أسعار النفط والطاقة عالميًا.
وأوضح أن الارتفاعات القوية التي سجلتها أسعار النفط خلال الفترة الماضية انعكست بشكل مباشر على أسهم الشركات العاملة في مجالات البتروكيماويات والمعادن والمواد الأساسية، إذ يدفع ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة تسعير منتجات هذه الشركات عالميًا، ما ينعكس بدوره على تقييماتها في الأسواق المالية.
وأشار فريج أن أسهم البتروكيماويات والمواد الأساسية كانت من بين الأفضل أداءً في السوق خلال عامي 2023 و2024، حيث حققت العديد من الشركات اتجاهًا صاعدًا قويًا مدفوعًا بارتفاع الطلب العالمي على المنتجات البتروكيماوية والمواد الخام، إلى جانب تحسن هوامش الربحية لدى عدد من الشركات المصدرة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن القطاع تعرض لاحقًا لبعض الضغوط نتيجة أزمات إمدادات الغاز التي واجهت بعض المصانع، وهو ما انعكس سلبًا على معدلات التشغيل والإنتاج لدى عدد من الشركات لفترة مؤقتة.
وأكد فريج أن تحركات القطاع خلال الفترة الحالية تعكس عودة الثقة النسبية لدى المستثمرين، خصوصًا في ظل التوقعات باستمرار قوة الطلب العالمي على المنتجات الأساسية، إلى جانب استفادة الشركات المصدرة من ارتفاع الأسعار العالمية وتذبذب أسعار الطاقة.
وأضاف أن أسهم البتروكيماويات والمواد الأساسية تظل من القطاعات التي تحظى بمتابعة قوية من المستثمرين ومديري المحافظ الاستثمارية خلال الفترة الحالية، نظرًا لحساسيتها المباشرة لتحركات أسعار السلع والطاقة عالميًا، فضلًا عن كونها من القطاعات التي قد تستفيد من أي موجات ارتفاع في أسعار النفط أو المواد الخام.
عبدالعاطى: طفرة نمو القطاع مرهونة بتوافر إمدادات الطاقة إلى المصانع
يرى إسلام عبد العاطي ئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمارأن قطاع الأسمدة يقف في منطقة معقدة بين كونه أحد أكثر القطاعات طلبًا واستمرارية عالميًا، وبين كونه أيضًا من أكثرها حساسية للتقلبات الهيكلية في أسواق الطاقة والإمدادات. فطبيعة الطلب غير المرن على الأسمدة — على غرار الغذاء والدواء — تمنح القطاع قدرًا من الصلابة، إذ يظل الاستهلاك قائمًا حتى مع ارتفاع الأسعار، ما يدعم قدرة الشركات على تمرير جزء كبير من زيادات التكلفة إلى المستهلك النهائي.
وأضاف عبدالعاطى، أن المعادلة لا تكتمل دون النظر إلى العامل الأكثر تأثيرًا، وهو الغاز الطبيعي، الذي يمثل العمود الفقري لصناعة الأسمدة، خاصة اليوريا. فالتوترات الجيوسياسية لا تضغط فقط عبر رفع الأسعار، بل عبر تهديد استقرار الإمدادات، وهو ما يمثل الخطر الحقيقي على استدامة الإنتاج، ففي حين يمكن استيعاب ارتفاع التكاليف نسبيًا من خلال آليات التسعير، فإن أي نقص في الإمدادات ينعكس مباشرة على الطاقة الإنتاجية ويهدد بتوقف المصانع.
وعلى الرغم من التوقعات بزيادة الطلب العالمي خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا باتجاه الدول لتأمين احتياجاتها عبر تكوين مخزونات استراتيجية، فإن الاستفادة من هذه الموجة تظل مرهونة باستقرار تدفقات الطاقة. فالعامل الحاسم في هذه الصناعة لم يعد السعر فقط، بل القدرة على الإنتاج في ظل بيئة متقلبة.
وعلى المستوى المحلي فإن شركات الأسمدة أمام معادلة صعبة تتمثل ارتفاع في تكلفة الإنتاج الذي لا يقابله بالضرورة تحريك موازٍ في الأسعار، ما قد يضغط على هوامش الربحية.
وأكد عبدالعاطي على أن قطاع الأسمدة لا يمكن تصنيفه كملاذ آمن للاستثمار، رغم ما قد يتيحه من فرص ربحية قوية في فترات معينة. فالتذبذب المرتفع، الناتج عن تقلبات أسعار الطاقة واضطرابات الإمداد، إلى جانب محدودية التحكم في مسار الأعمال، يجعل من أسهمه رهانات دورية أكثر منها أدوات مستقرة لحفظ القيمة، في سوق تحكمه المتغيرات قبل الثوابت.
أمين: توقعات بتحقيق نمو سنوى مركب بين 4% و6%
بدوره قال مصطفى أمين، المحلل المالي بشركة برايم القابضة، إن أسعار الأسمدة شهدت قفزات حادة مؤخرًا، مدفوعة بتداعيات التوترات الجيوسياسية، خاصة مع اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز، ما انعكس على سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الشحن.
أضاف أن ارتفاع أسعار الغاز عالميًا، إلى جانب توقف إمدادات من بعض المنتجين، زاد من الضغوط على تكلفة الإنتاج، لاسيما أن صناعة الأسمدة تعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي، ما دعم استمرار الأسعار المرتفعة.
وأوضح أن عودة الاستقرار النسبي لإمدادات الغاز في مصر ساهمت في إعادة تشغيل المصانع وتحسن الإنتاج، ما يمنح الشركات المحلية فرصة أكبر للاستفادة من الأسعار العالمية، خاصة مع التوسع في التصدير.
وأشار أمين إلى أن الشركات المصرية تتمتع بميزة تنافسية في الأسواق الأوروبية، نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج لدى المنافسين نتيجة ارتفاع سعر الغاز الروسي، مقابل انخفاض نسبي في تكلفة الغاز محليًا، ما يعزز قدرة المنتج المصري على النفاذ للأسواق الخارجية.
وأكد أن أسعار اليوريا ارتفعت إلى نحو 850 دولارًا للطن، مقارنة بمستويات 450 و480 دولارًا ، ما يدعم ربحية الشركات عبر إعادة تقييم المخزون وتسعير الإنتاج وفق المستويات الجديدة.
وتوقع زيادة صادرات الأسمدة خلال الفترة المقبلة، في ظل قوة الطلب الخارجي وتشبع السوق المحلي نسبيًا، إلى جانب استفادة الشركات من فروق العملة مع استقرار الدولار عند مستويات مرتفعة.
ولفت أمين إلى أن اضطرابات الإمدادات العالمية ستظل تدعم السوق حتى مع تحسن الأوضاع الجيوسياسية، مرجحًا استقرار الأسعار فوق 500 دولار للطن، دون العودة لمستوياتها السابقة.
وأشار إلى أن القطاع مرشح للحفاظ على أدائه الإيجابي على المدى الطويل، مع نمو سنوي مركب يتراوح بين 4% و6%، مدفوعًا بالتوسع الزراعي والتحديات المناخية، مؤكدًا أنه من القطاعات شبه الدفاعية لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي العالمي.
وعلى الرغم من قوة الأسعار، يواجه منتجو الأسمدة ارتفاعًا في تكاليف المدخلات، حيث يُمثل الغاز الطبيعي، المادة الخام الأساسية المُستخدمة في إنتاج الأمونيا واليوريا، أكثر من 70% من إجمالي تكاليف إنتاج الأسمدة النيتروجينية عالميًا.
عدلى: قفزة أسعار اليوريا وفروق العملة تدعمان أرباح الشركات
أضاف سعد عدلي، المحلل الاستثماري بشركة برايم لإدارة الأصول، أن شركات الأسمدة مرشحة لتحقيق نمو قوي في الإيرادات خلال الربع الأول من 2026، رغم تراجع أحجام المبيعات، مدعومةً بالارتفاع الكبير في الأسعار العالمية.
وأوضح أن أسعار اليوريا التي اقتربت من 850 دولارًا حاليًا مقارنة بـ 460 دولاراً قبل الأزمة ما يعوض انخفاض أحجام المبيعات ويدفع نمو الإيرادات بمعدلات قد تتراوح بين 30% و40%.
وأشار إلى أن الشركات المصدرة، مثل أبوقير وموبكو، تستفيد بشكل مباشر من هذا الارتفاع، في ظل توجيه نسبة كبيرة من إنتاجها للأسواق الخارجية، ما يعزز إيراداتها الدولارية.
وأكد عدلي أن تحركات سعر الصرف تمثل عامل دعم إضافي، حيث سجل الجنيه تراجعًا مقابل الدولار خلال الفترة الأخيرة، ما يولد أرباح فروق عملة إلى جانب إعادة تقييم الأصول النقدية بالعملات الأجنبية.
وأضاف أن صافي الأرباح مرشح أيضًا للنمو بمعدلات تتجاوز 20%، مدعومًا بعوائد الفوائد على السيولة الكبيرة لدى الشركات، سواء عبر أذون الخزانة أو الحسابات البنكية، إلى جانب مكاسب فروق العملة.
ولفت إلى أن شركات القطاع تتمتع بمراكز مالية قوية وسيولة مرتفعة، ما يعزز قدرتها على الاستفادة من الظروف الحالية دون ضغوط تشغيلية كبيرة.
ورجح عدلى، أن يظل قطاع الأسمدة ضمن القطاعات الجاذبة للاستثمار، باعتباره ملاذاً آمناً نسبياً، في ظل تحقيقه عوائد جيدة، مدعومة بارتباطه بالطلب العالمي على الغذاء واستمرار قوة الأسعار.
وقال نادر نور الدين خبير في الجمعية العمومية بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» فى تصريحات تليفزيونية الأسبوع الماضي، أن ما يشهده العالم حاليًا لا يمكن تصنيفه كأزمة غذاء بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو انعكاس مباشر لأزمة أعمق في سوق الطاقة، التي باتت تمثل المحرك الرئيسي لتكاليف الإنتاج الزراعي عالميًا.
وأوضح أن نحو 30% من إنتاج الغذاء يعتمد بشكل مباشر على الطاقة، ما يجعل أي اضطراب في أسعارها أو إمداداتها ينعكس تلقائيًا على أسعار السلع الغذائية.
وأشار إلى أن قطاع الأسمدة يعد من أبرز المتأثرين بهذه المعادلة، خاصة في ظل اعتماد جزء كبير من إنتاجه العالمي على منطقة الخليج، التي تواجه ضغوطًا نتيجة التوترات الجيوسياسية، وهو ما يهدد بتقليص الإمدادات ورفع الأسعار في الأسواق الدولية.
وأضاف أن السوق المصري لم تكن بمنأى عن هذه التطورات، حيث انعكس ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه على أسعار القمح والزيوت وعدد من السلع الأساسية، ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية على المستهلكين.
ولفت إلى أن فاتورة استيراد السلع الأساسية في مصر بلغت نحو 17 مليار دولار خلال العام الماضي، مع توقعات بارتفاعها إلى 20 مليار دولار، مدفوعة باستمرار تقلبات سعر الصرف وارتفاع الأسعار العالمية.
وأكد نور الدين، أن تداعيات الأزمة تمتد أيضًا إلى دول الخليج، رغم قدراتها المالية، نظرًا لاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء، ما يجعلها أكثر عرضة لموجات ارتفاع الأسعار العالمية.



