كيف يستجيب السوق العقاري لسحب الأراضي من المطورين؟
تستمر ارتدادات سحب الأراضي من المطوريين غير الملتزمين، وتثير جدلًا واسعًا بالسوق العقاري حول موقف العملاء الملتزمين بسداد الأقساط ومن يضمن حقوقهم بعد سحب الأرض من المطور؟.
ويرى خبراء ومطورون عقاريون، تحدثوا لـ”البورصة” ، أن الإجراء ضروري للحفاظ على حقوق الدولة وانضباط السوق، فيما قال آخرون إن تداعيات السحب قد تمتد إلى العملاء والمستثمرين، داعين إلى تعزيز آليات الوقاية المسبقة من خلال تصنيف المطورين وتفعيل حسابات الضمان وإتاحة حلول لإعادة هيكلة المشروعات المتعثرة قبل الوصول إلى مرحلة سحب الأراضي.
وكانت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ، أصدرت القرار رقم 205 منتصف عام 2025، وتضمن تهديداً صريحاً بسحب الأراضي من المطورين العقاريين غير الملتزمين، وخاصة في الساحل الشمالي.
ثم استجابت الهيئة لمطالب المطورين وأصدرت القرار رقم 208 في 16 سبتمبر 2025 بإلغاء القرار السابق ومنح تيسيرات جديدة.
وتتضمن اللائحة، الحالات التي تؤدي إلى إلغاء تخصيص الأرض، ومنها عدم استخراج القرار الوزاري خلال 3 أشهر من تاريخ التعاقد، والتأخر في تحرير العقد بعد سداد الدفعة المقدمة، وتراكم المتأخرات المالية أو التخلف عن سداد الأقساط.
البستاني: العميل أصبح يبحث عن “عنصر الأمان” قبل السعر
أكد محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين، ورئيس مجلس إدارة شركة البستاني للاستثمار العقاري والسياحي، أن إجراءات سحب الأراضي من المطورين غير الملتزمين سيكون لها تأثير مباشر على سلوك العملاء في السوق العقاري، إذ ستدفعهم إلى التدقيق بشكل أكبر في اختيار الشركات المطورة قبل التعاقد، مع التركيز على الملاءة المالية وسابقة الأعمال والقدرة على تنفيذ المشروعات.
وأوضح أن العميل أصبح مطالبًا بالبحث عن “عنصر الأمان” قبل النظر إلى السعر، مشيرًا إلى أن انخفاض سعر الوحدة لا يجب أن يكون العامل الحاسم في قرار الشراء، وإنما يجب التأكد من كفاءة المطور وقدرته المالية وسجله في التسليمات السابقة.
أضاف البستاني أن سحب الأرض من أي مطور، يمثل تحديًا للعملاء الذين سبق لهم التعاقد وسداد أقساط، إلا أن الدولة لا تتخذ مثل هذه الإجراءات إلا وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة للسوق العقاري، وفي إطار الحفاظ على حقوق جميع الأطراف وضبط السوق.
وأشار إلى أن الحل الأمثل للعملاء المتضررين يتمثل في التفاهم المباشر مع المطور للوصول إلى تسوية مناسبة، موضحًا أن اللجوء إلى القضاء يظل خيارًا قانونيًا متاحًا حال تعذر التوصل إلى حلول توافقية بين الطرفين.
وأكد رئيس جمعية المطورين العقاريين، أن حالات التعثر لا تعني بالضرورة سوء نية المطور، إذ قد تتعرض بعض الشركات لظروف مالية أو تشغيلية تؤثر على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، مشددًا في الوقت نفسه على أهمية اتخاذ العملاء كل الاحتياطات اللازمة قبل التعاقد، بما في ذلك مراجعة العقود والاستعانة بالمتخصصين للتأكد من سلامة الإجراءات القانونية والتراخيص الخاصة بالمشروع.
ودعا البستاني إلى دراسة آليات لإعادة جدولة المستحقات الخاصة بالمطورين المتعثرين، بما يتيح لهم استكمال مشروعاتهم والوفاء بالتزاماتهم تجاه العملاء، على غرار برامج إعادة الهيكلة المطبقة في بعض القطاعات الاقتصادية الأخرى.
أضاف أن إعادة التسعير أو إعادة الجدولة وفقًا للوائح والقوانين المنظمة، قد تمثل أحد الحلول التي تساعد على معالجة أوضاع بعض المشروعات المتعثرة، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوق الدولة وضمان استمرارية المشروعات وحماية حقوق العملاء.
وشدد البستاني ، على أن استقرار السوق العقاري يتطلب تعاون جميع الأطراف، سواء الجهات الحكومية أو المطورين أو العملاء، بما يضمن استمرار التنمية العمرانية وحماية الاستثمارات العقارية.
أهاب: الجهات الحكومية تفضل الحلول التوافقية مع المطورين قبل السحب
وقال أحمد أهاب، الرئيس التنفيذي لشركة مدار للتطوير العقاري، إن سحب الأراضي من المطورين العقاريين لا يتم بسهولة، وإنما يعد آخر الحلول التي تلجأ إليها الجهات المالكة للأراضي بعد استنفاد جميع محاولات التسوية ومنح الفرص للمطور المتعثر.
وأوضح أن عقود الأراضي تتضمن بنودًا واضحة تنظم عملية السحب، إلا أن الجهات الحكومية لا تلجأ إلى تفعيلها فورًا، بل تمنح المطورين مهلات إضافية وتوجه لهم إنذارات متكررة، إلى جانب دراسة إمكانية إعادة الجدولة أو التوصل إلى حلول مالية تضمن استمرار المشروع.
أضاف أهاب، أن قرار السحب عادة ما يكون مرتبطًا بحالات التعثر الممتدة لسنوات، وعدم التزام المطور بسداد المستحقات رغم الإنذارات والفرص المتعددة التي تُمنح له، مشيرًا إلى أن الجهات المالكة للأراضي تحرص على تجنب هذا الإجراء لما قد يترتب عليه من تداعيات على السوق والعملاء.
وأكد أن وجود عملاء اشتروا وحدات داخل المشروع، يجعل قرار سحب الأرض أكثر تعقيدًا، موضحًا أن الجهات المعنية تسعى في هذه الحالات إلى حماية حقوق المشترين وعدم الإضرار بهم، وقد يتم الإبقاء على الأجزاء التي تم بيع وحداتها بالفعل، مع اتخاذ إجراءات تخص الأراضي غير المستغلة.
أشار أهاب، إلى أن سحب الأراضي في المشروعات التي تضم عددًا كبيرًا من العملاء قد يخلق أزمة ثقة في السوق العقاري، سواء لدى المشترين أو المستثمرين المصريين والأجانب، لافتًا إلى أن استقرار العلاقة بين الدولة والمطورين يمثل أحد العناصر الأساسية للحفاظ على جاذبية القطاع.
وأضاف أن الجهات الحكومية تدرك التأثيرات المحتملة لمثل هذه القرارات على السوق، لذلك تفضل الوصول إلى حلول توافقية مع المطورين قبل اللجوء إلى السحب، موضحًا أن القرار يظل خيارًا استثنائيًا يتم اللجوء إليه عندما تتأكد الجهة المالكة من عدم قدرة المطور على استكمال التزاماته.
وتوقع أهاب أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من التنظيم للسوق العقاري، في ظل التوجهات الرامية إلى وضع ضوابط أكثر وضوحًا لنشاط التطوير العقاري، وإصدار تشريعات تسهم في رفع كفاءة القطاع وتعزيز انضباطه، بما يحقق التوازن بين حقوق الدولة والمطورين والعملاء.
القاضي: القرار سيفتح باب نزاعات قانونية تتعلق بتعويض المتضررين
وقال محمد القاضي، عضو لجنة التشييد والبناء بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن قرار سحب الأراضي من المطوريين غير الملتزمين يعد وسيلة لحفظ كامل حقوق الدولة .. لكنه في الجانب الآخر سينعكس سلبا علي العملاء الذين إلتزموا بسداد الأقساط مايجعلهم أكثر طرف متضرر من القرار.
وأوضح أن السحب يفتح الباب أمام نزاعات قانونية تتعلق بتعويض العملاء المتضررين وآليات استراداد حقوقهم المستحقة مايستغرق سنوات طويلة للوصول إلي حلول للفصل فيها.
أضاف القاضي، أن سحب الأراضي يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد استنفاد جميع الحلول الممكنة، مشيرًا إلى ضرورة منح المطورين المتعثرين إنذارات ومهلاً زمنية واضحة لتوفيق أوضاعهم واستكمال المشروعات.
ومن بين البدائل التي يمكن اللجوء إليها قبل اتخاذ قرار السحب، تشجيع أو إلزام المطور بالدخول في شراكات أو اندماجات مع شركات أخرى تتمتع بملاءة مالية أقوى، بما يضمن توفير التمويل اللازم واستمرار تنفيذ المشروع دون الإضرار بالعملاء.
أكد القاضي ، أن معالجة الأزمة بشكل جذري تتطلب إعادة تنظيم السوق العقاري بالكامل، بدلًا من التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، موضحًا أن حماية المشترين تبدأ منذ المراحل الأولى لتخصيص الأراضي ومنح التراخيص للمطورين.
ودعا إلى تفعيل نظام حساب الضمان ، بحيث يتم إيداع أموال العملاء في حسابات مصرفية مخصصة لكل مشروع، ولا يُسمح بالسحب منها إلا وفق نسب الإنجاز الفعلية، بما يضمن توجيه الأموال إلى أعمال التنفيذ ويمنع استخدامها في أغراض أخرى.
كما طالب بوضع منظومة واضحة لتصنيف وتأهيل المطورين العقاريين وفقًا لملاءتهم المالية وسجلهم التنفيذي، بما يضمن عدم منح الأراضي إلا للشركات القادرة على تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها.
أضاف أن التحديات الحالية التي تواجه القطاع العقاري تمثل مشكلات هيكلية تستوجب إعادة هيكلة وتنظيم السوق بصورة شاملة، محذرًا من أن فرض إجراءات أو غرامات مفاجئة على المطورين قد يدفع الشركات إلى اتخاذ تدابير احترازية تزيد من الأعباء على السوق والعملاء في النهاية.
خليل: حالات السحب تجعل الدولة والمطورين والعملاء يتقاسمون الخسائر
وقال عبدالرحمن خليل، مستشار التطوير والاستثمار وإدارة الأعمال، إن سحب الأراضي من المطورين غير الملتزمين يعد إجراءً إيجابياً لضبط السوق العقاري وتقنين أوضاعه، لكنه شدد على أهمية التركيز على الإجراءات الوقائية التي تمنع الوصول إلى هذه المرحلة من الأساس.
أضاف أن القطاع العقاري يمثل أحد أهم القطاعات الاقتصادية في مصر، ولذلك فإن التعامل مع ملف الأراضي يجب أن يتم من خلال منظومة واضحة من الاشتراطات والمعايير والتصنيفات التي تضمن منح الأراضي للمطورين القادرين على تنفيذ مشروعاتهم والالتزام بتعهداتهم.
وأوضح خليل أن اللجوء إلى سحب الأراضي يثير العديد من التساؤلات المتعلقة حول تأثير ذلك على السوق والاستثمار والعملاء الذين سبق لهم التعاقد وسداد أقساط، موضحاً أن هذه الإجراءات قد تخلق تحديات إضافية لجميع الأطراف المعنية.
وأشار إلى أن الدولة تبذل جهوداً خلال السنوات الأخيرة لتنظيم القطاع العقاري، سواء من خلال العمل على ملف اتحاد المطورين أو وضع أطر تنظيمية أكثر إحكاماً للسوق، معرباً عن أمله في أن تسهم هذه الخطوات في تعزيز الاستقرار وتقليل حالات التعثر مستقبلاً.
وأوضح خليل أن تقليص عدد الشركات غير الملتزمة يبدأ من تضييق دائرة منح الأراضي وفق معايير واضحة، بدلاً من إتاحة الفرصة لأي شركة للدخول إلى السوق ثم اكتشاف عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها لاحقاً.
وشدد على أن تقييم المطورين يجب أن يستند إلى عدة عناصر رئيسية، في مقدمتها الملاءة المالية، والكفاءات البشرية، والرؤية الاستثمارية، ودراسات الجدوى المتكاملة، مؤكداً أن توافر هذه المقومات يرفع من فرص نجاح المشروعات ويحمي حقوق جميع الأطراف.
وتابع: “حالات سحب الأراضي تجعل الدولة والمطورين والعملاء في موقف يتقاسمون فيه الخسائر، بينما يؤدي الالتزام والتنفيذ الجيد للمشروعات إلى تحقيق مكاسب مشتركة للدولة والمستثمرين والعملاء على حد سواء”.



