قوة “الفائدة الحقيقية” تعيد زخم الأموال الساخنة
عاد زخم الأموال الساخنة ، للاستثمار في أدوات الدين الحكومية ، إذ ارتفعت التدفقات منذ بداية يونيو الحالي، مدفوعة بجاذبية العائد الحقيقي واستقرار سوق الصرف وتحسن المؤشرات المالية والنقدية.
وكشفت بيانات البورصة المصرية، عن تضاعف صافى مشتريات المستثمرين الأجانب فى أدوات الدين الحكومية عبر السوق الثانوى، ليصل إلى 2.3 مليار دولار بنهاية تعاملات الأسبوع الماضي، مقارنة بصافى مشتريات بلغ 1.1 مليار دولار خلال مايو 2026، ما يعكس تسارع وتيرة تدفق الأموال الساخنة نحو السوق المحلي.
وسجل السوق، تدفقات ملحوظة للأموال الساخنة، بعد فترة من الترقب والحذر التي سيطرت على قرارات المستثمرين خلال الأشهر الماضية، بسبب استمرار تداعيات الحرب الإقليمية.
ووفقاً للبيانات المعلنة، سجلت المشتريات الأجنبية نحو ملياري دولار، خلال أبريل الماضي، وذلك بعد موجة بيع مكثفة فى مارس سجلت صافى يقارب 4.6 مليار دولار.
تأتي هذه العودة في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز مصادر النقد الأجنبي وتوسيع قاعدة المستثمرين في أذون وسندات الخزانة، وسط توقعات بأن تسهم التدفقات الجديدة في دعم الاحتياطيات الأجنبية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات، في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.
وتطرح هذه التطورات، تساؤلات حول حجم التدفقات الجديدة ومدى استدامتها، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي وتحركات أسعار الفائدة في الأسواق الرئيسية.
نجلة: مرونة سعر الصرف لعبت دورًا مهمًا في زيادة ثقة المستثمرين
وأرجع محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمار، تعافي استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية خلال الفترة الحالية، إلى مجموعة من العوامل الداعمة، على رأسها أن العائد الحقيقي في مصر لا يزال جاذبًا مقارنة بباقي الأسواق الناشئة، خاصة مع استقرار التضخم نسبيًا وتراجع تقديرات المخاطر مقارنة بالفترة بين 2023 و2024.
وأوضح أن المستثمر الأجنبي في أدوات الدين يعتمد على معادلة رئيسية تتمثل في العائد المرتفع، والاستقرار النسبي لسعر الصرف، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وهي مؤشرات شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة.
وتابع نجلة، أن مرونة سعر الصرف لعبت دورًا مهمًا في استعادة ثقة المستثمرين، موضحًا أن أحد أبرز المخاوف السابقة كان يرتبط بمدى القدرة على التخارج وتقييم السعر الحقيقي للعملة .. لكن زيادة مرونة سوق الصرف واختفاء السوق الموازية أسهما في توفير قدر أكبر من الوضوح وإعادة الثقة تدريجيًا.
وأشار إلى أن نجاح مصر في استكمال المراجعات المتتالية لبرنامج صندوق النقد بعث برسائل طمأنة للمؤسسات الأجنبية بشأن استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي، ما ساهم في تقليص تصورات المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري.
وفيما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية، أكد نجلة أن مصر لا تتجاهل هذه التطورات، لكنها باتت تتعامل معها بصورة مختلفة، إذ أصبح المستثمر الأجنبي يميز بشكل أكبر بين التوترات المؤقتة وبين وجود اختلالات اقتصادية هيكلية.
وأضاف أن استمرار عمل الممرات التجارية، وتوافر السيولة الدولارية، واستقرار احتياطي النقد الأجنبي، عوامل أسهمت في الحد من التأثير المباشر للتوترات الإقليمية على قرارات المستثمرين مقارنة بالفترات السابقة.
كما أن بعض الأسواق الناشئة المنافسة أصبحت تواجه ضغوطًا أكبر أو تقدم عوائد أقل، ما أعاد مصر إلى دائرة الأسواق الجاذبة للصناديق العالمية الباحثة عن عوائد مرتفعة.
أكد نجلة، أن أهمية الأمر لا تتمثل فقط في حجم التدفقات الأجنبية، وإنما في كيفية استغلالها لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع تعزيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل، خاصة في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والتصدير.
وتوقع استمرار التحسن التدريجي في تدفقات الأجانب على أذون وسندات الخزانة خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا واصل التضخم مساره النزولي وتمكن البنك المركزي من تنفيذ خفض تدريجي لأسعار الفائدة دون التسبب في ضغوط على سعر الصرف.
ويرى نجلة، أن استدامة التحسن في التدفقات الأجنبية يظل مرتبطًا بزيادة مصادر النقد الأجنبي الأساسية، وعلى رأسها الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، وليس الاعتماد على الأموال الساخنة وحدها.
متولي: أتوقع تحسنًا تدريجيًا واستمرارية التدفقات الأجنبية الفترة المقبلة
وقال على متولي، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإحدى شركات الاستشارات في لندن، إن تعافي استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية خلال يونيو، يعكس تغيرًا في نظرة المستثمرين، مع تزايد التفرقة بين التوترات الجيوسياسية قصيرة الأجل وبين أساسيات الاقتصاد المصري.
وأشار إلى أنه رغم التوترات الإقليمية لا تزال قائمة، إلا أن الأسواق أصبحت تركز بدرجة أكبر على المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها استقرار سوق الصرف، مشيرًا إلى أن التحركات الحالية في سعر العملة تظل ضمن نطاقات محدودة مقارنة بفترات سابقة شهدت اضطرابات أكبر.
أضاف متولي، أن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات قوية، إلى جانب التحسن الملحوظ في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، عززا قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، ودعما ثقة المستثمرين في استقرار الأوضاع النقدية.
وأشار إلى أن قدرة مصر على الحصول على تمويلات دولية واستمرار النفاذ إلى الأسواق العالمية دون صعوبات تمثل عاملًا إضافيًا داعمًا، مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت ضغوطًا أكبر على التمويل الخارجي.
أكد متولي، أن العائد الحقيقي المرتفع في مصر لا يزال من بين الأعلى نسبيًا في الأسواق الناشئة، وهو ما يحافظ على جاذبية أدوات الدين الحكومية رغم استمرار بعض المخاطر المرتبطة بالبيئة الإقليمية.
وأضاف أن المخاوف المتعلقة بتوافر النقد الأجنبي تراجعت بصورة واضحة مقارنة بالفترة التي أعقبت الحرب في غزة وبداية الحرب الروسية الأوكرانية، موضحًا أن المستثمرين باتوا ينظرون إلى الاقتصاد المصري باعتباره يمتلك “وسائد حماية” أقوى من السابق، تشمل مرونة أكبر في سعر الصرف، وارتفاع الاحتياطي النقدي، وتحسن مصادر العملة الأجنبية.
وهذه العوامل عززت استعداد المستثمرين لتحمل جزء من المخاطر مقابل العوائد المرتفعة التي توفرها السوق المصرية، ما يدعم استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين.
وتوقع متولي، أن تشهد التدفقات الأجنبية تحسنًا تدريجيًا واستمرارية خلال الفترة المقبلة، طالما لم يحدث تصعيد إقليمي واسع النطاق يؤثر بصورة مباشرة على أسواق الطاقة أو حركة التجارة العالمية.
لكن هذه التدفقات تظل حساسة لأي تغيرات مفاجئة في الأوضاع الإقليمية أو في مسار أسعار الفائدة العالمية، موضحًا أن أي ارتفاع قوي ومفاجئ في الفائدة عالميًا قد ينعكس سلبًا على وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الأسواق الناشئة، بما فيها مصر.



