بعد فك قيود التوثيق.. هل يعود الساحل الشمالي إلى خريطة التمويل العقاري
عاد ملف التمويل العقاري في الساحل الشمالي إلى واجهة الاهتمام مجددًا، بعد أشهر من تعطل عدد كبير من المعاملات التمويلية نتيجة القيود المرتبطة بإجراءات التوثيق واستخراج مستندات الشهر العقاري للوحدات الواقعة بين برج العرب الجديدة ورأس الحكمة.
ويرى متعاملون وخبراء بالسوق، أن التيسيرات الأخيرة التي تم التوصل إليها بالتنسيق بين الاتحاد المصري للتمويل العقاري ووزارة العدل وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، تمثل نقطة تحول مهمة أمام سوق ظلت لسنوات بعيدة نسبيًا عن التمويل العقاري المنظم، رغم أنها تضم واحدة من أكبر القواعد البيعية وأكثرها نشاطًا في السوق المصرية.
وحصل الاتحاد المصري للتمويل العقاري، مؤخرًا، على تيسيرات تسمح بتوثيق عقود التمويل العقاري والتوكيلات المرتبطة بها في المناطق الواقعة بين مدينتي برج العرب الجديدة ورأس الحكمة الجديدة، بما يتيح استئناف عمليات التمويل للوحدات الجاهزة بالمشروعات العقارية المختلفة في تلك المنطقة.
تأتي هذه الخطوة في وقت يسعى فيه القطاع العقاري إلى توسيع أدوات التمويل المتاحة للعملاء، خاصة مع الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الوحدات خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت التمويل العقاري أحد الحلول الرئيسية للحفاظ على معدلات الطلب وتنشيط حركة التداول، سواء في السوق الأولية أو سوق إعادة البيع.

ويرى خبراء أن القرار يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الاستثمارات العقارية الضخمة التي شهدها الساحل الشمالي خلال السنوات الأخيرة، سواء من جانب الشركات العقارية الكبرى أو المطورين الإقليميين، إلى جانب النمو المتسارع في الطلب على الوحدات الساحلية باعتبارها وعاءً استثماريًا ومخزنًا للقيمة.
عبدالحميد: أزمة استخراج مستندات وحدات المنطقة انتهت فعليًا
قال أيمن عبدالحميد، العضو المنتدب لشركة الأولى للتمويل العقاري، إن أزمة استخراج مستندات الشهر العقاري الخاصة بوحدات الساحل الشمالي انتهت فعليًا بعد استجابة هيئة المجتمعات العمرانية لمطالب الاتحاد المصري للتمويل العقاري باستثناء شركات التمويل العقاري من قرار حظر التعامل على الوحدات الواقعة بين برج العرب والسلوم.
وأوضح أن القرار السابق كان يحظر استخراج أي مستندات من مكاتب الشهر العقاري الخاصة بوحدات الساحل الشمالي إلا بعد الحصول على موافقة هيئة المجتمعات العمرانية، وهو ما تسبب في تعطيل عدد كبير من معاملات التمويل العقاري، نظرًا لاعتماد الشركات على توثيق العقود وإثبات التاريخ كشرط أساسي لاستكمال التمويل.
وأضاف أن الاتحاد المصري للتمويل العقاري عقد عدة اجتماعات مع هيئة المجتمعات العمرانية لبحث تداعيات القرار على السوق، وتم التوصل إلى آلية تسمح باستثناء شركات التمويل العقاري واستكمال الإجراءات الخاصة بالوحدات محل التمويل، ما أعاد دورة العمل إلى طبيعتها.
وأشار عبدالحميد إلى أن القرار من شأنه إعادة تنشيط الطلب على التمويل العقاري بالساحل الشمالي خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا تزامن مع مزيد من الانخفاضات في أسعار الفائدة، موضحًا أن الوحدات الساحلية الجاهزة تمثل الشريحة الأكثر قابلية للاستفادة من التمويل العقاري.
وأضاف أن أغلب عمليات التمويل في الساحل الشمالي ترتبط بالوحدات الجاهزة سواء المملوكة للمطورين أو المتداولة بين الأفراد في سوق إعادة البيع، كما تُستخدم في بعض الحالات لتسييل الأصول العقارية وتوفير السيولة للملاك.
ولفت إلى أن فترة تطبيق القيود السابقة تزامنت مع موسم الشتاء الذي يشهد بطبيعته انخفاضًا نسبيًا في الطلب على شراء الوحدات الساحلية، وهو ما يجعل من الصعب حاليًا قياس الأثر الرقمي المباشر للقرار على حجم التمويلات أو المبيعات.
الغمراوي: التيسيرات لا تكفي ما لم يصاحبها انخفاض ملموس في أسعار الفائدة
وقال طارق الغمراوي، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة بيت مصر لخدمات التمويل العقاري، إن التيسيرات الأخيرة تمثل خطوة إيجابية لكنها لن تكون كافية وحدها لإحداث طفرة في نشاط التمويل العقاري ما لم يصاحبها تحسن في بيئة التمويل وانخفاض ملموس في أسعار الفائدة.
وأوضح أن التمويل العقاري يرتبط بصورة مباشرة بأسعار الفائدة السائدة في السوق، حيث تعتمد البنوك وشركات التمويل العقاري على أسعار الإيداع والإقراض المعلنة من البنك المركزي كأساس للتسعير مع إضافة هامش الربح والمخاطر.
وأضاف الغمراوي، أن ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادة تكلفة التمويل على العملاء، ما جعل كثيرًا من الأفراد يفضلون القروض الشخصية أو خطط التقسيط المباشر من المطورين العقاريين بدلاً من اللجوء إلى التمويل العقاري التقليدي.
وأشار إلى أن الفائدة المرتفعة تؤثر كذلك على مدد التمويل الفعلية، إذ تتراجع في كثير من الحالات إلى ما بين 6 و8 سنوات فقط، بينما يحتاج التمويل العقاري إلى فترات سداد أطول حتى تصبح الأقساط الشهرية ملائمة للقدرات المالية للعملاء.
وطالب الغمراوي بإطلاق برنامج جديد للتمويل العقاري المدعوم يشمل مختلف شرائح الوحدات السكنية، مع ربط نسبة الدعم بقيمة الوحدة، بما يضمن توسيع قاعدة المستفيدين وتحفيز الطلب الحقيقي على الوحدات العقارية.
وأكد الغمراوي أن التحدي الأكبر أمام نمو التمويل العقاري في مصر لا يرتبط فقط بأسعار الفائدة، وإنما أيضًا باستمرار أزمة تسجيل العقارات، مشيرًا إلى أن النسبة الأكبر من الثروة العقارية المصرية لا تزال خارج المنظومة الرسمية للتسجيل.
وأوضح أن عدم تسجيل العقارات يحرم عددًا كبيرًا من الوحدات من الاستفادة من التمويل العقاري، لأن المؤسسات المانحة للتمويل تحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة وموقف قانوني مستقر للعقار.
أضاف الغمراوي، أن جهود تبسيط إجراءات التسجيل لم تحقق حتى الآن النتائج المأمولة، مطالبًا بإحياء مشروع الرقم القومي العقاري وإنشاء قاعدة بيانات موحدة وشاملة لجميع العقارات بما يسهم في تسريع عمليات التسجيل والتمويل وتحسين كفاءة السوق العقارية.
وأشار إلى أن أغلب النمو المسجل في التمويل العقاري خلال السنوات الأخيرة جاء مدفوعًا بمبادرات التمويل المدعوم ومشروعات الإسكان الاجتماعي، بينما لا يزال التمويل العقاري الحر يواجه تحديات كبيرة تحد من قدرته على النمو بالمعدلات المطلوبة.
وأكد أن تنشيط التمويل العقاري ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد ككل، من خلال تنشيط سوق إعادة التمويل العقاري والتوريق وإعادة تدوير السيولة داخل القطاع المالي، بما يرفع كفاءة استخدام رؤوس الأموال ويدعم معدلات الاستثمار.
وتمثل عودة التمويل العقاري إلى الساحل الشمالي، فرصة مهمة لإعادة تنشيط واحدة من أكبر الأسواق العقارية في مصر، خاصة في ظل الحجم الكبير للوحدات الجاهزة القابلة للتمويل، والطلب المتنامي على العقارات الساحلية باعتبارها أداة استثمارية وحافظة للقيمة، ولكن تحقيق طفرة حقيقية في التمويل العقاري يتطلب استكمال عدد من الإصلاحات الهيكلية، في مقدمتها تبسيط إجراءات التسجيل العقاري، وتفعيل منظومة الرقم القومي العقاري، وتطوير قواعد البيانات العقارية، إلى جانب توفير برامج تمويل أكثر تنافسية وانخفاض تكلفة الاقتراض.
وبينما أعادت التيسيرات الأخيرة فتح الباب أمام التمويل العقاري بالساحل الشمالي، يبقى المسار المستقبلي لأسعار الفائدة وسرعة تنفيذ الإصلاحات التنظيمية العامل الحاسم في تحويل الطلب المؤجل إلى مبيعات فعلية وتمويلات جديدة قادرة على دفع السوق إلى مرحلة نمو جديدة خلال السنوات المقبلة.
العادلي: الساحل الشمالي قد يستحوذ على 30% من التمويلات العقارية مستقبلاً
ويرى رياض العادلي، رئيس مجلس إدارة شركة نكست دور للتسويق والاستشارات العقارية، أن القرار الجديد سيمنح دفعة قوية لسوق إعادة البيع في الساحل الشمالي، والتي شهدت تباطؤًا نسبيًا خلال الفترة الماضية بسبب صعوبة إتمام التمويل العقاري.
وأوضح أن شريحة واسعة من العملاء كانت تؤجل قرارات الشراء انتظارًا لإتاحة التمويل العقاري بصورة رسمية ومنظمة، وهو ما يجعل من المتوقع ظهور طلب مؤجل يمكن أن يتحول إلى مبيعات فعلية خلال الفترة المقبلة.
وتوقع العادلي أن تستحوذ وحدات الساحل الشمالي على أكثر من 30% من إجمالي التمويلات العقارية الجديدة خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من ضخامة حجم السوق وارتفاع قيم الوحدات العقارية وتزايد الطلب الاستثماري عليها.
أضاف أن نجاح التجربة يتطلب الإسراع في تكويد المشروعات العقارية واستكمال الموافقات التنظيمية المطلوبة، بما يسهل على شركات التمويل العقاري دراسة الملفات والموافقة عليها خلال مدد زمنية أقصر.
وأشار العادلي، إلى ضرورة أن تعكس أسعار الوحدات قيمتها السوقية الحقيقية، لأن المبالغة في التقييمات قد تؤثر على نسب التمويل المتاحة للعملاء وتحد من قدرتهم على الحصول على الموافقات التمويلية.
وأكد أن شركات التمويل العقاري ستسعى إلى توفير السيولة اللازمة لاستيعاب أي زيادة متوقعة في الطلب، خاصة أن الساحل الشمالي يمثل سوقًا ضخمة وواعدة يمكن أن تضيف أحجام أعمال كبيرة للشركات العاملة بالقطاع.
كما دعا إلى دراسة تطبيق تيسيرات مماثلة في مناطق ساحلية أخرى مثل العين السخنة وساحل البحر الأحمر، بعد تقييم نتائج التجربة الحالية بالساحل الشمالي.
فراج: 100 مليار جنيه تمويلات محتملة خلال عامين
وقالت ندا فراج، المحلل المالي بشركة تيم لتداول الأوراق المالية، إن التيسيرات الأخيرة تمثل خطوة مهمة لإزالة أحد أبرز المعوقات التي واجهت التمويل العقاري في الساحل الشمالي، ما يفتح المجال أمام تنشيط المبيعات وتوسيع قاعدة المستفيدين من التمويل.
وأضافت أن السوق يمتلك مقومات قوية للنمو خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل توافر عدد كبير من الوحدات الجاهزة المؤهلة للحصول على التمويل العقاري.
وأشارت فراج، إلى أن تقديرات السوق تتحدث عن إمكانية ضخ تمويلات عقارية جديدة قد تصل إلى نحو 100 مليار جنيه خلال عامين، إذا ما توافرت البيئة التنظيمية والتمويلية المناسبة، مع التأكيد على أن هذه الأرقام تمثل توقعات سوقية وليست مستهدفات رسمية.
وأوضحت أن مؤشرات القطاع تعكس بالفعل مسارًا تصاعديًا على المدى الطويل، حيث ارتفع حجم التمويلات العقارية السنوية إلى نحو 42.7 مليار جنيه بنهاية عام 2025 مقارنة بنحو 3.4 مليار جنيه فقط في عام 2020، فيما بلغ إجمالي التمويلات التراكمية نحو 116.8 مليار جنيه.
ورغم ذلك، أكدت فراج أن أسعار الفائدة ما زالت تمثل العامل الأكثر تأثيرًا على قدرة السوق على التوسع، نظرًا لتأثيرها المباشر على تكلفة التمويل والقدرة الشرائية للعملاء.
وأضافت أن المرحلة الأولى من النشاط المتوقع قد تشهد تركّزًا أكبر للطلب بين أصحاب الدخول المرتفعة والمستثمرين، قبل أن تتسع قاعدة المستفيدين مع أي تراجع مستقبلي في أسعار الفائدة.
وأشارت إلى أن شركات التمويل العقاري ستواصل الاعتماد على أدوات تمويلية متنوعة مثل التوريق وشراء محافظ الحقوق المالية من المطورين العقاريين، بالإضافة إلى تطوير برامج تمويل أكثر مرونة من حيث نسب التمويل ومدد السداد.



