أسواق

الشركات تعيد ضبط التشغيل لمواكبة خطط ترشيد الطاقة

تتجه الشركات العاملة فى القطاع الصناعى إلى تبنى حزمة من الإجراءات التشغيلية لترشيد استهلاك الطاقة، فى إطار التكيف مع خطط الحكومة لخفض الاستهلاك، ومواجهة الارتفاعات العالمية فى أسعار الوقود والنقل.

الأمر الذى دفع العديد من الكيانات إلى إعادة هيكلة أنماط التشغيل والنقل والإضاءة، بما يضمن تقليل الفاقد دون التأثير على استمرارية الإنتاج.

وكان رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، قال فى بيان السبت الماضى، إن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات لترشيد استهلاك الكهرباء والطاقة في البلاد، من بينها تقليل مخصص الوقود للسيارات الحكومية بنسبة 30%، والإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى كثيفة استهلاك السولار لمدة شهرين.

كما قررت تفعيل العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع، بدءاً من أول أبريل، مع إمكانية زيادة الأيام في حال استمرار تداعيات الحرب، مشيراً إلى أن القرار لا يشمل المدارس والجامعات والمصانع والمستشفيات.

وقالت مصادر لـ«البورصة»، إن استجابة الشركات لخطط ترشيد استهلاك الطاقة لا تأتى بشكل موحد، إذ تختلف من شركة لأخرى وفقًا لطبيعة النشاط وحجم الاعتماد على الطاقة داخل العملية الإنتاجية.

وأوضحت أن بعض الكيانات اتجهت إلى إجراءات مباشرة وسريعة، مثل خفض استهلاك الكهرباء وتنظيم التشغيل والنقل، بينما فضّلت شركات أخرى التركيز على رفع كفاءة الاستخدام دون المساس بمعدلات الإنتاج الأساسية.

يوسف: خفض الاستهلاك يبدأ من الإدارات دون المساس بالإنتاج

وقال بسيم يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة النصر لصناعة المحولات والمنتجات الكهربائية «الماكو»، إن شركته بدأت تنفيذ حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، للتكيف مع خطط الحكومة، إلى جانب مواجهة الارتفاعات العالمية فى أسعار الوقود والنقل.

وأضاف لـ«البورصة»، أن الشركة ركزت على تقليل استهلاك الوقود والكهرباء عبر تنظيم عمليات نقل العاملين، من خلال تشغيل أتوبيسات جماعية تقلل الاعتماد على السيارات الخاصة، بما يسهم فى خفض الاستهلاك اليومى للطاقة.

وأوضح أن الشركة طبقت كذلك نظام النقل التجميعى للشحنات، بحيث يتم دمج عمليات النقل فى رحلات موحدة بدلًا من تعدد الرحلات، وهو ما يحد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل.

وأشار إلى أنه تم خفض الإضاءة داخل المكاتب والأقسام الإدارية بنسبة تصل إلى 50%، فى حين لا يمكن تطبيق نفس الإجراء داخل المصانع نظرًا لاعتبارات السلامة المهنية، التى تتطلب الحفاظ على مستوى إضاءة مناسب لتجنب الحوادث.

وفيما يتعلق بالتحول إلى مصادر الطاقة البديلة، أوضح أن الشركة لم تبدأ بعد فى هذا الاتجاه، خاصة فى ظل انتقالها حاليًا إلى مدينة بدر، وهو ما يؤجل دراسة مثل هذه الاستثمارات لحين استقرار التشغيل.

وأشار إلى أن الضغوط الحالية لا تقتصر على السوق المحلية، بل ترتبط بمتغيرات عالمية، تشمل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل البحرى والجوى، ما يفرض على الشركات تبنى سياسات أكثر كفاءة فى استهلاك الطاقة.

ولفت إلى أن ترشيد الاستهلاك لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة حتمية، موضحًا أن خفض استهلاك الإضاءة، سواء فى الشوارع أو المكاتب والمنازل، يمكن أن يحقق نتائج سريعة فى تقليل الضغط على موارد الطاقة إذا تم تطبيقه بشكل واسع.

وقال صبحى نصر، رئيس مجلس إدارة شركة لابوتيه للسيراميك، إن الشركة بدأت تطبيق إجراءات ترشيد الطاقة بصورة دورية، تشمل تحسين كفاءة الاستخدام وإعادة التدوير كمصدر للطاقة، إلى جانب مراجعة بنود الاستهلاك بشكل منتظم، بما يضمن تقليل الفاقد دون التأثير على استمرارية الإنتاج.

وأضاف لـ«البورصة»، أن اللجوء إلى خفض استهلاك الطاقة بشكل إضافى يظل محدود الخيارات، إذ يرتبط فى الأساس بتقليل ساعات التشغيل أو عدد الورديات، وهو ما ينعكس سلبًا على الإنتاجية ويرفع من التكلفة النهائية للمنتجات.

وأشار إلى أن طبيعة الصناعة تحد من إمكانية تطبيق بعض إجراءات الترشيد التقليدية، كما تجعل من الصعب الاعتماد على بدائل واسعة النطاق دون تأثير مباشر على التشغيل.

زكي: إعادة توزيع التشغيل لتقليل الفاقد وتعظيم الكفاءة

وقال أحمد زكى، المدير العام بشركة «ماس» للرخام، إن الشركة تتعامل مع ملف ترشيد الطاقة باعتباره جزءًا من إعادة ضبط التشغيل، وليس مجرد التزام مؤقت، موضحًا أنها اتجهت إلى تقليص عدد ساعات العمل وإعادة توزيع الورديات بما يتماشى مع حجم الطلب الحالى، بدلًا من التشغيل بكامل الطاقة فى سوق يشهد تباطؤًا.

وأضاف لـ«البورصة»، أن هذا التوجه ساعد على خفض استهلاك الكهرباء بشكل مباشر، دون الدخول فى قرارات أكثر حدة قد تؤثر على استمرارية الإنتاج أو الالتزامات التصديرية.

وأشار إلى أن الشركة لا تعتمد فقط على خفض ساعات التشغيل، لكنها تعمل أيضًا على تشغيل ذكى للمعدات، عبر تقليل الفترات غير المنتجة ودمج بعض مراحل العمل، بما يرفع كفاءة الاستخدام بدلًا من تقليص النشاط بشكل كامل.

السمان: تنظيم ساعات العمل كأداة لضبط الاستهلاك

وقال محمد السمان، مدير التصدير بشركة «مارمو ماربل» للرخام والجرانيت، إن شركته بدأت بالفعل تطبيق إجراءات للتكيف مع خطط الحكومة لترشيد استهلاك الطاقة، موضحًا أن الالتزام بالقرارات المنظمة لمواعيد العمل يأتى فى مقدمة هذه الإجراءات.

وأضاف لـ«البورصة»، أن المعارض التابعة للشركة تلتزم بمواعيد الغلق المحددة، خاصة الواقعة داخل المراكز التجارية، فيما يعمل المصنع بنظام يتناسب مع طبيعته التشغيلية، حيث يعد يوم الجمعة إجازة رسمية، ويتم تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد.

وأوضح أن قطاع الرخام والجرانيت من أكثر القطاعات كثافة فى استهلاك الطاقة، ما يجعله أكثر تأثرًا بأى تغيرات فى تكلفتها، لافتًا إلى أن الظروف الحالية أثرت بالفعل على النشاط التصديرى، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن وتغير خريطة الأسواق المستهدفة.

وأشار إلى أن الشركة قلصت نطاق صادراتها حاليًا، مع التوقف عن التصدير إلى أسواق شرق وجنوب آسيا، والتركيز بشكل أكبر على الأسواق الأوروبية والأمريكية، فى ظل الاعتماد على موانئ البحر المتوسط مثل الإسكندرية والدخيلة.

وأكد أن الاعتماد على الطاقة الشمسية لا يزال محدودًا فى الوقت الحالى، بسبب ارتفاع تكلفتها الاستثمارية وصعوبة الاعتماد عليها بشكل كامل فى تشغيل معدات التصنيع التى تعتمد بشكل أساسى على الكهرباء.

وأشار إلى أن الشركات تحاول الحفاظ على استمراريتها من خلال تسعير منتجاتها عند نفس المستويات أو بزيادات طفيفة، لتعويض الارتفاعات فى تكاليف النقل والطاقة.

ولفت إلى أن قدرة القطاع الصناعى على المساهمة فى توفير الغاز لصالح محطات الكهرباء ترتبط بمعدلات التشغيل، موضحًا أن انخفاض ساعات العمل الحالية ساهم بالفعل فى تقليل استهلاك الطاقة مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

البنا: البحث عن حلول تكنولوجية لمواجهة ضغوط الطاقة

وقال إبراهيم البنا، رئيس مجلس إدارة شركة البنا لصناعة الزجاج، إن الشركة بدأت بالفعل فى ترشيد استهلاك الغاز والكهرباء ضمن سياسات توفير الطاقة، مشيرًا إلى أنها تخطط لحضور معرض فى الصين خلال الفترة من 7 إلى 9 سبتمبر، للاطلاع على أحدث التقنيات العالمية فى توفير الطاقة، بما يشمل الإضاءة وأنظمة التسخين والتكنولوجيا الحديثة التى تساعد فى خفض الاستهلاك.

وأضاف لـ«البورصة»، أن الشركة تسعى لمواكبة المتغيرات على مستوى الساحة الدولية، مع التركيز على تحسين كفاءة استهلاك الغاز والكهرباء.

وأكد أن الصناعة تعتمد أساسًا على هذين المصدرين، ولا توجد بدائل أخرى متاحة حاليًا، خاصة أن الاعتماد على المازوت أصبح صعبًا من حيث التكلفة التشغيلية.

وأوضح أن الهدف من ترشيد الاستهلاك هو مواجهة المنافسة القوية، خاصة من الصين، التى تصدر لنفس الأسواق التى تستهدفها الشركة، مضيفًا أن أى زيادة غير محسوبة فى التكاليف قد تؤثر على القدرة التنافسية.

وأشار إلى أن الشركة سبق أن واجهت أزمة فى أسعار الغاز عندما ارتفعت من دولارين إلى 5 دولارات، ما أثر على الإنتاج لمدة 3 سنوات.

أوضح أنها اعتمدت نظام حريق قديم تم تطويره مع خبراء صينيين ليصبح نظامًا حديثًا يوفر نحو 70% من استهلاك الغاز، كما تمت إضافة استخدام الأكسجين لتوفير نحو 10% إضافية، مع دراسة استخدام النيتروجين مستقبلًا حال توافره فى مصر.

وأكد أن القطاع الصناعى لا يمكنه الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة حاليًا، وأن أى خفض ملموس فى استهلاك الغاز يتحقق من خلال تحسين الكفاءة الداخلية، وليس عبر تقليل الإمدادات، موضحًا أن الهدف هو تقليل الاستهلاك دون التأثير على الإنتاج.

وقال عمرو أبو فربخة، الرئيس التنفيذى والعضو المنتدب لشركة «طنطا موتورز»، إن قطاع الصناعات الهندسية يُعد من أكثر القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة، ما يجعل مسألة ترشيد استهلاك الكهرباء تمثل تحديًا حقيقيًا أمام الشركات العاملة فيه.

وأضاف لـ«البورصة»، أن قدرة الشركات على خفض استهلاكها من الطاقة تظل محدودة فى ظل ارتباط العملية الإنتاجية بمعدلات تشغيل مرتفعة.

وأشار إلى أن السيناريو الوحيد الذى قد يسمح بترشيد فعلى يتمثل فى وجود فائض إنتاجى يمكن معه تقليل ساعات التشغيل، وهو ما لا يتوافر حاليًا لدى أغلب المصانع التى تعمل بالقرب من طاقتها القصوى لتلبية الطلب.

وذكر أن الاتجاه نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة يواجه عدة عقبات، أبرزها احتياجه لاستثمارات كبيرة وفترات زمنية طويلة للوصول إلى مرحلة التشغيل الفعال، وهو ما لا يتماشى مع طبيعة التزامات الشركات، سواء فى التصدير أو تلبية احتياجات السوق المحلية.

وأشار إلى أن أى تحول فى منظومة الطاقة داخل المصانع يجب أن يراعى استمرارية الإنتاج وعدم تأثر سلاسل الإمداد، مؤكدًا أن تحقيق التوازن بين كفاءة استهلاك الطاقة والحفاظ على معدلات الإنتاج يمثل التحدى الأكبر أمام القطاع خلال الفترة الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights