التقسيط.. أداة تحوط المصريين في مواجهة التضخم وعدم اليقين
لم يعد التقسيط مجرد وسيلة لتسهيل الشراء بالنسبة للمستهلكين، بل تحول تدريجيًا إلى أداة للتحوط من التقلبات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، خاصة في فترات عدم اليقين والتوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على الأسواق وتدفع المستهلكين لإعادة ترتيب أولوياتهم الشرائية.
ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم واحتمالات ارتفاع الأسعار مستقبلًا نتيجة للتوترات الجيوسياسية فى المنطقة، يتجه عدد متزايد من المستهلكين إلى تثبيت أسعار السلع عبر الشراء بالتقسيط، بما يضمن لهم الحصول على احتياجاتهم بالسعر الحالي بدلاً من المخاطرة بشرائها لاحقًا بتكلفة أعلى.
ويعكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في سلوك المستهلكين خلال الأزمات الاقتصادية، إذ لم يعد التقسيط مقتصرًا على السلع المعمرة أو مرتفعة السعر فقط، بل امتد ليشمل سلعًا استهلاكية يومية، خاصة مع اتساع نشاط شركات التمويل الاستهلاكي وتطور خدمات الشراء الآن والدفع لاحقًا.
وتشير بيانات القطاع إلى استمرار النمو القوي في نشاط التمويل الاستهلاكي خلال العام الماضي، إذ ارتفع حجم التمويل الممنوح خلال عام 2025 ليصل إلى 87.2 مليار جنيه، مقارنة بنحو 55.1 مليار جنيه خلال عام 2024، بمعدل نمو بلغ 58.4%.
ويعكس هذا النمو تسارع اعتماد المستهلكين على أدوات التمويل غير المصرفي لتلبية احتياجاتهم الاستهلاكية، بالتوازي مع توسع الشركات العاملة في القطاع وزيادة عدد التجار المتعاقدين معها.
قال محمد الفقي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «سيمبل» لخدمات الشراء الآن والدفع لاحقًا، إن توجه المستهلكين نحو الشراء بالتقسيط خلال فترات الأزمات يختلف باختلاف طبيعة الأزمة ومدى تأثيرها على السوق.
وأوضح أن الأزمات التي تقود إلى ارتفاع الأسعار عادة ما تدفع شريحة كبيرة من المستهلكين إلى التعجيل بالشراء، مع الاعتماد على التقسيط لتفادي زيادات سعرية متوقعة خلال الفترات المقبلة.
أضاف الفقي، أن بعض الأزمات قد تدفع أيضًا إلى زيادة الطلب بدافع الخوف من نقص السلع أو صعوبة الحصول عليها لاحقًا، وهو ما يؤدي إلى موجات شراء مكثفة قبل تفاقم الأزمة.
وأشار إلى أن تجربة جائحة كورونا كانت مثالًا واضحًا على تغير سلوك المستهلكين تحت ضغط القلق وعدم اليقين، إذ اتجه كثيرون إلى شراء السلع بكثافة تحسبًا لاضطرابات سلاسل الإمداد.
كما لفت إلى أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى نمط مختلف من السلوك الاستهلاكي، إذ زاد الاعتماد على التقسيط بشكل أكبر، بهدف شراء السلع قبل موجات الارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية آنذاك.
ويرى الفقي أن طبيعة الأزمات الحالية تختلف نسبيًا عن الأزمات السابقة، إذ أصبح تأثير التوترات الجيوسياسية ينتقل إلى الأسواق بوتيرة أسرع نتيجة الترابط الكبير بين الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد.
وأوضح أن هذا الواقع قد يدفع المستهلكين إلى زيادة الاعتماد على التقسيط خلال الفترة المقبلة، لكن حجم هذا الاتجاه سيظل مرتبطًا بمدى توافر السلع في الأسواق.
أضاف أن نقص المعروض قد يحد من قدرة المستهلكين على الشراء حتى مع توافر حلول التمويل، لافتًا إلى أن بعض السلع الكبرى مثل السيارات تشهد حاليًا نقصًا في المعروض نتيجة قيام بعض التجار بسحبها من التداول انتظارًا لارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن هذا السلوك قد يؤدي إلى زيادات سعرية خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت الضغوط التضخمية أو تفاقمت التوترات الاقتصادية.
وأكد الفقي أن الإقبال الحالي على التقسيط يتركز بشكل أكبر على الملابس والسلع الغذائية، مع اقتراب موسم عيد الفطر، رغم ارتفاع أسعارها مقارنة بالسنوات السابقة.
وأوضح أن بعض المستهلكين باتوا يلجأون إلى أنظمة التقسيط حتى في هذه الفئات من السلع، في محاولة لتوزيع أعباء الإنفاق على عدة أشهر بدلاً من تحملها دفعة واحدة.
ويعكس هذا الاتجاه تغيرًا في طبيعة استخدام التقسيط، الذي لم يعد مقتصرًا على السلع المعمرة مثل الأجهزة الكهربائية، بل أصبح وسيلة لإدارة السيولة لدى الأسر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
عبدالوهاب: المستهلك يلجأ للتقسيط لتثبيت الأسعار وتجنب زيادات محتملة
وقال علي محمود عبد الوهاب، المدير التنفيذي لشركة بي تك للتمويل الاستهلاكي، إن فترات عدم اليقين الاقتصادي أو التوترات الجيوسياسية غالبًا ما تشهد زيادة في الإقبال على الشراء بالتقسيط.
وأوضح أن المستهلكين ينظرون إلى التقسيط في مثل هذه الأوقات باعتباره وسيلة لتثبيت سعر السلعة في ظل توقعات بارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة.
أضاف عبدالوهاب، أن شراء سلعة بالسعر الحالي وتقسيطها على عدة أشهر أو سنوات يتيح للمستهلك تجنب تحمل زيادات سعرية محتملة، وهو ما يجعل التقسيط أداة تحوط فعالة ضد التضخم.
وأشار إلى أن نشاط التقسيط يزداد عادة في ثلاث حالات رئيسية، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، أو وجود توترات سياسية واقتصادية تؤدي إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق.
وتوقع عبد الوهاب، أن يواصل قطاع التمويل الاستهلاكي تحقيق معدلات نمو قوية خلال الفترة المقبلة، في ظل التطور الكبير في الخدمات الرقمية التي تقدمها الشركات العاملة في القطاع.
وأوضح أن تسريع إجراءات الموافقة على التمويل وتوسيع شبكات التجار المتعاقدين مع الشركات يسهمان في تسهيل حصول العملاء على التمويل بشكل شبه فوري داخل نقاط البيع.
وتابع:” هذا التطور يعزز من قدرة القطاع على جذب شرائح جديدة من العملاء، خاصة مع انتشار حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا”.
وهذا التوسع يقابله اهتمام متزايد من الجهات التنظيمية بمتابعة السوق وتنظيم آلياته، لضمان تحقيق التوازن بين استمرار النمو وحماية استقرار القطاع.
أضاف أن الجهات الرقابية أصبحت أكثر تركيزًا على وضع أطر تنظيمية واضحة لنشاط التمويل الاستهلاكي، بما يدعم استدامة القطاع ويحد من المخاطر المرتبطة بالتوسع السريع في عمليات التمويل.



