البنوك تجدد الثقة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة رغم تحديات الحرب
توقع خبراء مصرفيون، أن يواصل القطاع المصرفي المصري، التوسع في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة الـ (SMEs) ، مدعومًا بتوجهات تنظيمية واضحة ورقابة مشددة، بما يعكس التزامًا مستقرًا بدعم هذا القطاع الحيوي رغم التحديات.
وأشار الخبراء، الذين تحدثوا لـ”البورصة”، إلى أن البنوك نجحت في تحقيق نمو قوي بمحافظها الائتمانية والودائع، مع الحفاظ على جودة الأصول في مستويات آمنة، مستفيدة من خبرات تراكمية في إدارة الأزمات الاقتصادية المتعاقبة.
وتوقعوا استمرار نمو التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال الفترة المقبلة ما بين 10% و 15% خلال العامين المقبلين، بوتيرة أكثر اعتدالًا مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل تزايد الحذر الائتماني.
الدماطي: الأهم من “الفائدة” هو زيادة المبيعات في ظل ارتفاع النفط
قالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، إن البنوك تعمل حاليا وفق تعليمات واضحة جدًا فيما يخص نسبة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة من إجمالي المحفظة الائتمانية، مشيرة إلى أن هذا الملف يتم العمل عليه منذ أكثر من ثماني أو عشر سنوات حتى الآن، وهو ما يعكس وجود توجه مستمر ومستقر داخل القطاع المصرفي لدعم هذا النوع من التمويل.
أضافت أن البنوك مستمرة في هذا الاتجاه، متوقعة أن يستمر النمو في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة كل عام .. لكن بعض البنوك وصلت بالفعل إلى الحد الأقصى المسموح به في نسب التمويل، في حين أن بنوكًا أخرى لم تصل بعد إلى هذه النسبة، وهو ما أدى إلى تطبيق رقابة صارمة عليها، وصلت في بعض الحالات إلى فرض عقوبات قوية من جانب البنك المركزي.
وأوضحت الدماطي، أن الأوضاع الجيوسياسية لها تأثير كبير على العديد من المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها أسعار المواد البترولية، مشيرة إلى أن الأسواق شهدت ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط مع اندلاع الحرب على إيران، ثم بدأت الأسعار تتراجع مع الحديث عن الهدنة وتطبيقها .. لكنها ما زالت أعلى من مستوياتها قبل الحرب .
وهذا الوضع انعكس بشكل مباشر على زيادة أسعار الشحن وأسعار التأمين، إلى جانب ارتفاع تكلفة المواد البترولية، وهو ما أسهم في ارتفاع معدلات التضخم لتتجاوز 15.3%.
ولفتت إلى أن لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في اجتماعها الأخير قررت تثبيت أسعار الفائدة، معتبرة أن هذا القرار كان صحيحًا في ظل الظروف الحالية.
أشارت الدماطي، إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تتأثر فقط بسعر الفائدة، ولكن الأهم هو قدرتها على التوسع في المبيعات في ظل ارتفاع أسعار النفط، الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأضافت أن البنوك اعتادت التعامل مع مثل هذه الظروف، إذ مرت خلال السنوات الماضية بعدة أزمات متتالية، بداية من أحداث الخامس والعشرين من يناير خلال الفترة من 2010 إلى 2013، ثم أزمة الدولار في عامي 2016 و2017، تلاها تحسن نسبي في الأوضاع.
وبعد ذلك جاءت جائحة كورونا، التي أثرت على الاقتصاد العالمي بشكل واسع، قبل أن تتبعها الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى ارتفاع أسعار الحبوب والنفط وخلق أزمة اقتصادية جديدة.
وعقب ذلك جاءت أزمات نقص العملة الأجنبية، والتي أدت إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، إذ وصل السعر إلى 31 جنيهًا ثم ارتفع إلى 50 جنيهًا ثم إلى 55 جنيهًا، قبل أن ينخفض مؤخرًا إلى حدود 51 جنيهًا.
وهذا التسلسل من الأزمات أدى إلى وجود قدر كبير من التحوط المستمر داخل البنوك فيما يتعلق بتأثير هذه التغيرات على جودة المحافظ الائتمانية، مشيرة إلى أنه عند تقييم الوضع الحالي يجب النظر أولًا إلى مؤشرات الربحية، والتي أظهرت نموًا جيدًا في أرباح البنوك خلال العام الماضي.
قالت الدماطي، إن محافظ البنوك الائتمانية نفسها شهدت نموًا ملحوظًا، إذ ارتفع إجمالي القروض من نحو 5 تريليونات جنيه إلى 9 تريليونات جنيه . كما ارتفعت الودائع من 10 تريليونات جنيه إلى 15 تريليون جنيه.
وهذه الأرقام تعكس نموًا قويًا في القطاع المصرفي سواء على مستوى المحافظ الائتمانية أو الودائع، إلى جانب التحسن في مستويات الربحية، مع بقاء القروض المتعثرة في نطاق آمن، وهو ما يعكس استقرار جودة المحافظ الائتمانية داخل البنوك رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.
وكشف شريف لقمان، وكيل محافظ البنك المركزي المصري للشمول المالي والاستدامة، ورئيس مجموعة خبراء الشمول المالي في الاتحاد الدولي للمصريين العرب، عن ارتفاع تمويلات البنوك الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بنسبة 390% خلال 10 سنوات (ديسمبر 2015- ديسمبر 2025).
وأشار إلي إن إجمالي محفظة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وصلت إلى نحو 630 مليار جنيه منها نحو 50% تمت ترقيتها إلى شركات كبرى تمثل حوالي 315 مليار جنيه من التمويلات.
أوضح لقمان، أن معدل النمو فى إجمالى المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بلغ 71% خلال 5 سنوات (ديسمبر 2020- ديسمبر 2025)، فيما بلغت نسبة النمو فى المشروعات متناهية الصغر 112%، ووصلت إلى 85% فى المشروعات الصغيرة، ونحو 36% فى تمويل المشروعات المتوسطة.
وأشار إلى أن إجمالي قيمة محفظة التمويل متناهى الصغر (مصرفى وغير مصرفي) بلغ 107 مليارات جنيه بنهاية ديسمبر 2025.
أبو الخير: الزيادة السنوية قد تتراوح بين 10% و15% خلال العامين المقبلين
وقال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، إن محفظة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع المصرفي شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مدعومة بسياسات تنظيمية محفزة ورغبة متزايدة لدى البنوك في تنويع هياكلها الائتمانية.
وتوقع استمرار نمو التمويل الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ولكن بوتيرة أهدأ مقارنة بالفترة بين 2020 و2025، موضحًا أنه بعد تسجيل معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الماضية، قد تتراوح الزيادة السنوية خلال العامين المقبلين بين 10% و15%.
وهذا الاتجاه يعكس استمرار الدعم المؤسسي من جهة، مقابل تزايد الحذر الائتماني من جهة أخرى، لافتًا إلى أن النمو يتحول من كونه مدفوعًا بالزخم إلى كونه قائمًا على الانتقاء الدقيق للفرص.
وحذر أبو الخير، من أن التوسع في الإقراض، خاصة في ظل بيئة اقتصادية مضطربة، قد يمثل عامل ضغط على جودة الأصول، متوقعًا أن تشهد معدلات التعثر ارتفاعًا محدودًا يتراوح بين 1% و2% خلال فترة تمتد من 12 إلى 18 شهرًا.
وأوضح أن التطورات الجيوسياسية دفعت البنوك إلى إعادة تشديد وتطوير نماذج تقييم المخاطر، بحيث لم يعد التقييم يقتصر على الجدارة الائتمانية التقليدية، بل امتد ليشمل مدى تأثر النشاط بتقلبات أسعار الصرف والمواد الخام، ودرجة الاعتماد على الواردات، ومرونة سلاسل التوريد، بالإضافة إلى قدرة المشروع على تمرير التكاليف إلى السوق.
وهذا التطور يعزز الاتجاه نحو تبني نماذج تقييم قائمة على السيناريوهات، وهو ما قد يبطئ وتيرة المنح الائتماني، لكنه في المقابل يرفع جودة واستدامة التمويل.
وأشار أبوالخير، إلى أن التوترات الجيوسياسية انعكست بشكل مباشر على أداء المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأخر سلاسل التوريد، وزيادة نفقات الشحن والطاقة.
أضاف أن هذه الضغوط أثرت سلبًا على هوامش الربحية، خاصة لدى المشروعات ذات القدرة المحدودة على التسعير، ما انعكس بدوره على قدرتها على الوفاء بالالتزامات المالية، خصوصًا في الأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة بالاستيراد.
وتابع:” رغم هذه التحديات، لا تزال هناك عوامل داعمة لاستمرار نمو التمويل، من أبرزها توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي، وتوافر مبادرات تمويلية موجهة”.
أضاف أبوالخير، أن التحول الرقمي يسهم في خفض تكلفة الوصول للعملاء وتحسين كفاءة التقييم الائتماني، إلى جانب دور سلاسل القيمة المحلية في خلق طلب جديد على التمويل.
وأوضح أن البنوك تواجه مجموعة من التحديات تشمل ارتفاع تكلفة الأموال وتأثيرها على تسعير القروض، وعدم استقرار التدفقات النقدية لدى بعض العملاء، وضعف جودة البيانات المالية لشريحة من المشروعات.
كما تشمل التحديات أيضًا تصاعد المنافسة من مؤسسات التمويل غير المصرفي وشركات التكنولوجيا المالية، فضلًا عن مخاطر التركز القطاعي.
وتابع:” التحدي الأبرز يظل هو تحقيق التوازن بين التوسع في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية”.
سليمان: البنوك توازن بين التوسع وانتقائية الإقراض وسط ضغوط التضخم والمخاطر
وقال أيمن سليمان، الخبير المصرفي، إن البنوك تواجه اختبارًا دقيقًا في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة، إذ تسعى لتحقيق توازن بين دعم تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية.
ورغم التوترات الجيوسياسية، تظل التوقعات إيجابية باستمرار نمو تمويل هذا القطاع خلال عامي 2026 و2027.
أوضح سليمان، أن البنوك تواصل العمل على تحقيق مستهدف البنك المركزي بوصول تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى 25% من إجمالي الائتمان، بالتوازي مع نمو ائتماني متوقع بنحو 25%.
وتعتزم وزارة المالية بالتنسيق مع جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، إطلاق حزمة مبادرات تمويلية بقيمة إجمالية تصل إلى 25 مليار جنيه، تستهدف توفير سيولة نقدية منخفضة التكلفة لدعم منظومة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز جهود دمج الاقتصاد غير الرسمي وتعميق التصنيع المحلي.
وأشار إلى أن بدء دورة خفض أسعار الفائدة خلال 2026، بنحو 200 نقطة أساس، من شأنه تقليل تكلفة الاقتراض وتحفيز الاستثمار .. لكن الارتفاع المفاجئ في التضخم خلال مارس يمثل تحديًا لصانع السياسة النقدية، بين الاستمرار في التيسير أو العودة للتشديد، وهو ما ينعكس في حذر البنوك عند تسعير القروض طويلة الأجل.
أضاف سليمان، أن القطاع المصرفي يتمتع بوضع تحوطي قوي، مع وصول كفاية رأس المال إلى 19.6% وتغطية المخصصات إلى 90.2%.. وهذه المؤشرات تمنح البنوك قدرة على امتصاص الصدمات، لكنها تدفعها في الوقت نفسه إلى مزيد من الانتقائية في منح التمويل الجديد.
ولفت إلى أن الضغوط الجيوسياسية وارتفاع تكاليف المدخلات يفرضان تحديات إضافية، خاصة مع توقع زيادة حالات الإعسار عالميًا بنسبة 24%، كما يؤدي التضخم إلى تآكل رأس المال العامل للمشروعات الصغيرة، ما يضع البنوك أمام معادلة صعبة بين زيادة التمويل لدعم الإنتاج أو تقليصه للحد من المخاطر.
أضاف سليمان، أن اضطرابات سلاسل الإمداد أدت إلى انكماش هوامش الربح لدى المشروعات الصغيرة، التي تفتقر إلى وفورات الحجم التي تتمتع بها الشركات الكبرى، ما يزيد من هشاشتها في مواجهة الأزمات.
وفيما يتعلق بمعدلات التعثر، أشار إلى أن الزيادة المتوقعة بنسبة 1.5% في القطاع الصناعي تحمل دلالات مهمة، نظرًا لدور هذا القطاع كمحرك رئيسي للنمو، وما قد ينتج عن تعثره من تأثيرات ممتدة على باقي الأنشطة الاقتصادية، ما يستدعي تفعيل برامج سداد مرنة بشكل مبكر.
وشدد سليمان، على أن التركيز لم يعد فقط على الوصول إلى نسبة 25%، بل على جودة التوزيع الائتماني، مع أهمية تخصيص 10% للمشروعات الصغيرة جدًا لحماية الفئات الأكثر تأثرًا، وضمان توزيع أكثر عدالة للتمويل.
وأشار إلى أن الإعفاء من الاحتياطي الإلزامي يمثل أداة قوية لدعم الإقراض، إذ يتيح تحويل السيولة غير المستغلة إلى تمويل منتج، بما يخفض تكلفة الأموال ويعزز القدرة على تقديم قروض بشروط تنافسية رغم الضغوط التضخمية.
كما أكد الدور المحوري لشركة ضمان مخاطر الائتمان، التي تغطي نحو 80% من مخاطر القروض، ما يقلل من مخاوف البنوك ويشجعها على التوسع في تمويل القطاعات الأكثر عرضة للتقلبات.
ولفت إلي ضرورة الانتقال من سياسة الإلزام بالنسب إلى الحوافز الفعالة، مقترحًا منح ائتمانات ضريبية للمشروعات المنتظمة في السداد، وربط الفاتورة الإلكترونية بالبنوك لتسهيل التمويل اللحظي وتعزيز كفاءة المنظومة المالية.
وأشار إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، إلي أن عدد المستفيدين من خدمات تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بلغ نحو 3.6 مليون مستفيد بنهاية عام 2025، فيما سجلت أرصدة التمويل نحو 97.4 مليار جنيه بنهاية فبراير 2026، مقارنة بـ83.3 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وكشف التقرير الشهري الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية عن ارتفاع عدد المستفيدين من نشاط تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة خلال شهر يناير 2026 ليصل إلى 0.52 ألف مستفيد، بإجمالي تمويل ممنوح بلغ 947 مليون جنيه، مقابل 0.5 ألف مستفيد بإجمالي تمويل قدره 1.1 مليار جنيه خلال يناير 2025.
وأظهرت البيانات الرسمية أن عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في مصر يقترب من 3.74 مليون شركة، تمثل نحو 44.6% من إجمالي المؤسسات في القطاع الخاص الرسمي، فيما يعمل بهذا القطاع نحو 5.8 مليون عامل، بما يعادل 43.1% من إجمالي القوى العاملة في القطاع الرسمي المصري.



