شارع البورصة

هل تشهد أسهم شركات القطاع المالي غير المصرفي إعادة تقييم؟

رغم إنهاء 2025 بأوسع دورة تيسير نقدي منذ أكثر من أربع سنوات ونصف، بإجمالي تخفيضات في أسعار الفائدة بلغت نحو 725 نقطة أساس، لم تنعكس هذه التحركات النقدية في صورة اتجاه موحد لنتائج شركات القطاع المالي غير المصرفي المقيدة بالبورصة. بل كشفت القوائم المالية عن تباين ملحوظ في الأداء، يطرح تساؤلًا أكثر عمقًا: هل يبدأ السوق في إعادة تقييم أسهم القطاع خلال 2026؟ أم أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع علاوة المخاطر سيعرقلان استفادة الأسهم من زخم خفض الفائدة؟.

مسح أجرته «البورصة» على نتائج عدد من كبرى شركات الإقراض غير المصرفي أظهر تسجيل تباين في صافى الأرباح خلال 2025 تراوح بين نمو بلغ 11% و31%، وتراجعات ناهزت الـ39%، رغم استمرار دورة التيسير النقدي.

ويعكس هذا التفاوت أن إعادة تقييم الأسهم- حال حدوثها- لن تكون جماعية على مستوى القطاع، بل انتقائية ترتبط بجودة نموذج الأعمال واستدامة مصادر الربحية.

تصدرت بلتون المالية القابضة ، قائمة الشركات الأكثر نموًا في الأرباح خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بمعدل 31%، مدعومة بعملية زيادة رأس المال التي نفذتها مطلع العام الماضي، والتي انعكست على توسع ملحوظ في الأنشطة ودفعت الإيرادات للارتفاع بنسبة 106.25%.

وجاءت “جي بي كوربشن” في المرتبة الثانية بمعدل نمو في الأرباح بلغ 24%، مستفيدة من تعافي مبيعات السيارات خلال 2025 مقارنة بعام 2024، بينما سجلت إي إف جي القابضة نموًا في الأرباح بنسبة 11%، مدفوعًا بزيادة الإيرادات التشغيلية وتنوع مصادر الدخل، إلى جانب مساهمة منصة «فاليو» في دعم نشاط التمويل الاستهلاكي.

في المقابل، تراجعت أرباح “سي آي كابيتال” بنحو 23%، كما انخفضت أرباح كونتكت المالية القابضة بحوالي 39%، وهو ما أرجعه محللون إلى اختفاء مكاسب فروق العملة التي دعمت نتائج بعض الشركات خلال فترات سابقة.

وعلى مستوى الإيرادات، أظهر المسح ارتفاع إيرادات «كونتكت» بنسبة 48.13%، فيما تراجعت إيرادات «سي آي كابيتال» و«جي بي كوربشن» و«إي إف جي» بنسب 35.29% و60.78% و69.23% على التوالي، ما يعكس اختلافًا واضحًا في ديناميكيات كل نشاط.

تباين نتائج أعمال الشركات

قال أحمد عبدالنبي، رئيس قسم البحوث بشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، إن التفاوت في نتائج أعمال شركات الأنشطة المالية غير المصرفية يرجع بالأساس إلى اختلاف طبيعة أنشطة كل شركة وخطط التوسع الخاصة بها، وليس إلى عامل واحد يمكن تعميمه على القطاع بالكامل.

وأوضح أن تأثير أسعار الفائدة ينعكس بصورة أكبر على الأرباح وليست الإيرادات، مشيرًا إلى أن الربط المباشر بين تغيرات الفائدة ومستويات الإيرادات غير دقيق، لأن الإيرادات ترتبط بحجم النشاط والتوسعات التشغيلية لكل شركة على حدة.

أضاف عبدالنبي، أن النمو القوي في نتائج بعض الشركات جاء نتيجة التوسع والدخول في أنشطة جديدة، لافتًا إلى استفادة «بلتون» من تنويع أعمالها، وكذلك استفادة «جي بي كوربشن» من تعافي سوق السيارات خلال 2025، وهو ما انعكس على تحسن أدائها مقارنة بعام 2024.

وأكد أن اختلاف توقيتات التعافي بين الأنشطة المختلفة يؤدي بطبيعة الحال إلى تباين معدلات النمو والربحية بين الشركات، متوقعًا أن يكون قطاع الأنشطة المالية غير المصرفية ثاني أفضل القطاعات أداءً خلال 2026 بعد البنوك.

وأشار عبدالنبي، إلى أن التوقعات الإيجابية ترتبط باتجاه أسعار الفائدة نحو التراجع، متوقعًا خفضًا بنحو 6% على الأقل خلال العام، مع إمكانية تسجيل مستويات أكبر وفق تطورات الأوضاع الاقتصادية، بما يدعم نمو أعمال شركات التمويل غير المصرفي.

من جانبه، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث بشركة أكيومن لإدارة المحافظ، إن التفاوت في نتائج أعمال شركات القطاع خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 مقارنة بالفترة المناظرة من 2024 يرجع إلى اختلاف طبيعة الأنشطة ومدى تنوع مصادر الإيرادات، وليس إلى اتجاه عام واحد.

وأوضح أن الأداء القوي لـ«بلتون» لا يمكن اعتباره معيارًا عامًا للقطاع، نظرًا لمرورها بمرحلة إعادة هيكلة شملت زيادات في رأس المال والتوسع في أنشطة جديدة، ما انعكس مباشرة على نمو الإيرادات والأرباح.

وأشار شفيع، إلى أن بعض الشركات تعتمد على نشاط واحد أو عدد محدود من الخدمات التمويلية، بينما تتمتع شركات أخرى بتنوع يشمل التأجير التمويلي والتمويل الاستهلاكي ومتناهى الصغر، إلى جانب أنشطة سوق المال مثل إدارة الأصول والسمسرة، ما يمنحها قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الاقتصادية.

وأكد أن القطاع يعتمد في جوهره على نشاط الإقراض، وأن خفض الفائدة يعزز الطلب على التمويل بمختلف صوره، لكنه شدد على أن الاستفادة تختلف وفقًا لطبيعة الخدمات وانتشارها وهيكل التمويل المعتمد، سواء عبر التوريق أو الاقتراض البنكي أو زيادات رؤوس الأموال.

ورجّح شفيع خفضًا يتراوح بين 6% و8% خلال 2026، مع الإشارة إلى أن الضبابية المرتبطة بالتطورات الاقتصادية والأوضاع الجيوسياسية تجعل من الصعب الجزم بمسار الفائدة بشكل نهائي.

اختلاف مصادر الإيرادات وهيكل الربحية

أوضح مصطفى أمين، المحلل المالي بشركة برايم القابضة، أن التباين في نتائج 2025 يعود بصورة رئيسية إلى اختلاف مصادر الإيرادات وهيكل الربحية، خاصة مدى الاعتماد على أرباح فروق العملة مقابل الإيرادات التشغيلية الأساسية.

وأضاف أن بعض الشركات استفادت خلال الفترات السابقة من أرباح إعادة تقييم الأصول والودائع بالعملة الأجنبية، وهو ما لم يتكرر بالقوة ذاتها في 2025، ما انعكس سلبًا على نتائجها، لافتًا إلى أن تراجع أرباح «كونتكت» يرتبط أساسًا باختفاء مكاسب فروق العملة.

وأكد أمين، أن تقييم شركات القطاع يعتمد بشكل أساسي على تكلفة الملكية والتدفقات النقدية المستقبلية، نظرًا لأن أغلب الشركات لا تعتمد على التوزيعات النقدية، مشيرًا إلى أن انخفاض مضاعفات الربحية الحالية مقارنة بمتوسطاتها التاريخية يعزز فرص الصعود حال استمرار النمو.

وتوقع أن يستفيد القطاع بقوة من دورة خفض أسعار الفائدة، معتبرًا أن تراجعها يدعم توسع قاعدة العملاء وزيادة الطلب على الأنشطة التمويلية المختلفة، ما يجعل عامي 2025 و2026 من الفترات الإيجابية نسبيًا للقطاع.

ورجّح أمين، اتجاه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، مع إمكانية خفضها تدريجيًا بنحو 1% إلى 1.5% لاحقًا، لحين استقرار تدفقات المستثمرين الأجانب ووضوح الرؤية الاقتصادية واستقرار الأوضاع الجيوسياسية.

2026.. عام الفرز بين النماذج التشغيلية

يبدو أن 2026 سيكون عامًا لإعادة تقييم القطاع المالي غير المصرفي، ليس فقط على أساس اتجاه الفائدة، ولكن وفق قدرة كل شركة على تحويل خفض التكلفة التمويلية إلى نمو حقيقي في النشاط والربحية.

التباين الذي أظهرته نتائج 2025 يؤكد أن القطاع لا يتحرك ككتلة واحدة؛ فالشركات ذات النماذج المتنوعة والإيرادات التشغيلية المستدامة تبدو أكثر استعدادًا لاقتناص فرص دورة التيسير النقدي، بينما ستظل الشركات المعتمدة على أرباح استثنائية أو نشاط أحادي أكثر عرضة لتقلبات السوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights