عقارات

أزمة السيولة تدفع المطورين لمقايضة مستحقات المقاولين بالوحدات 

عاد الجدل حول آلية استبدال الوحدات السكنية بمستحقات شركات المقاولات لدى المطورين، ففريق من المطورين والمقاولين والخبراء يراها ترتيبًا تعاقديًا مرنًا يخفف أعباء السيولة، وفريق آخر يعتبرها حلًا مؤقتًا لا يعالج جذور الأزمة.

كما انقسمت الآراء بشأن مدى انتشار هذه الممارسات وتأثيرها على هيكل السوق، في وقت يواجه فيه القطاع تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التنفيذ، وتشدد السياسات النقدية، وتباطؤ وتيرة المبيعات.

وبينما يؤكد مطورون أن تبادل الأصول مقابل المستحقات يظل في نطاق محدود ولا يرقى إلى مستوى الظاهرة العامة، يحذر مقاولون من انعكاساته على التدفقات النقدية واستدامة الأعمال، خاصة مع احتياجهم لسيولة فورية للوفاء بالتزاماتهم التشغيلية.

قال علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة «بيتا» للتطوير العقاري، إن نظام استبدال شركات المقاولات لمستحقاتها المالية المتأخرة لدى شركات التطوير العقاري ، بوحدات سكنية، لا يعد ظاهرة عامة أو نموذجًا سائدًا في السوق العقاري كما يشاع، وإنما يمثل آلية تعاقدية تستخدم في حالة لو توافر لدى شركات المقاولات الاستعداد لتلقي مستحقاتها في صورة أصول عقارية بدلا من السيولة النقدية.

وأضاف أن هذا الترتيب التعاقدي يوفر مرونة في إدارة الالتزامات المالية بين أطراف المنظومة العقارية، لافتا إلى أن شركات التطوير قد تجد فيه ميزة نسبية في بعض الحالات، خاصة في ظل الضغوط التمويلية وارتفاع تكاليف التنفيذ.

وأوضح فكري أن حصول شركات المقاولات على وحدات سكنية مقابل مستحقاتها يسهم في خلق سوق ثانوي من خلال قيام هذه الشركات بإعادة طرح الوحدات للبيع، لكن هذا النشاط يظل محدود النطاق ولا يرقى إلى مستوى التأثير الهيكلي في السوق.

وتابع: “هذه الممارسات لا تحدث تغيرات جوهرية في سياسات التسعير لدى شركات التطوير العقاري، كما لا تنعكس بصورة مؤثرة على حجم المخزون غير المباع، نظرا لضآلة نسبتها مقارنة بإجمالي المعروض”.

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، أوضح فكري، أن هذه الآلية لا تمس منظومة التمويل العقاري أو الجهاز المصرفي، مؤكدًا أن البنوك تظل أحد الأعمدة الأساسية لتمويل القطاع العقاري، وأن تسويات المستحقات بين المطورين والمقاولين عبر تبادل الأصول لا تؤثر على دور المؤسسات التمويلية أو سياساتها الائتمانية.

يوسف: ليس حلًا حقيقيًا.. وشركات المقاولات ليست جهات تسويق أو بيع 

وقال شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة الشمس للمقاولات، إن قطاع المقاولات يواجه أزمة سيولة حادة نتيجة تأخر صرف المستحقات لدى عدد من المطورين، محذرا من أن مقترح استبدال هذه المستحقات بوحدات سكنية لا يمثل حلًا حقيقيًا للمشكلة.

أضاف أن شركات المقاولات ليست جهات تسويق أو بيع عقاري، ولا تمتلك البنية الإدارية أو التمويلية لإدارة عمليات بيع بالتقسيط لسنوات طويلة، كما أن آلية التسعير في مثل هذه الصفقات لا تعكس القيمة الحقيقية للمستحقات، ما يضطر بعض المقاولين إلى بيع الوحدات سريعا وبخسارة لتوفير السيولة وسداد التزاماتهم العاجلة.

وأوضح يوسف، أن البديل الأكثر فاعلية يتمثل في استبدال المستحقات بأراضٍ، مستشهدًا بتجارب تعامل ناجحة مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، حيث يمكن للمقاول خصم مستحقاته مقابل أراضٍ قابلة للبيع النقدي أو التطوير، بما يحقق سيولة مباشرة دون أعباء تسويقية معقدة.

أضاف أن المقاول يظل الحلقة الأضعف في المنظومة، نظرا لالتزاماته الفورية تجاه موردي مواد البناء والعمالة، في مقابل دورة صرف طويلة للمستخلصات والتعويضات قد تمتد لأشهر، وهو ما يضغط على التدفقات النقدية للشركات ويهدد استمراريتها.

وتابع: “استمرار الأوضاع الحالية أدى إلى خروج عدد من الشركات من السوق وتوقف أخرى عن العمل، داعيًا إلى حلول هيكلية عاجلة تضمن انتظام الصرف وتحقيق التوازن المالي داخل قطاع المقاولات”.

لقمة: جوهر الأزمة لا يتعلق بشكل السداد بقدر ما يرتبط بحالة الركود

وقال محمد لقمة، رئيس مجلس إدارة شركة ديتيلز للمقاولات، إن استبدال مستحقات شركات المقاولات بوحدات عقارية لدى المطورين، يعد ممارسة قائمة في السوق منذ سنوات، لكنه لا يمثل حلًا فعالًا لأزمة السيولة التي يواجهها القطاع حاليًا.

وأضاف أن جوهر الأزمة لا يتعلق بشكل السداد بقدر ما يرتبط بحالة الركود التي يعاني منها السوق العقاري، قائلًا إن المشكلة الأساسية تكمن في عدم القدرة على بيع الوحدات، سواء كانت لدى المطور أو المقاول، ما يجعل نقل الملكية من طرف لآخر دون توافر طلب حقيقي أمرًا غير مؤثر على الأزمة.

وأوضح لقمة، أن المقاول، بحكم طبيعة عمله، لا يمتلك أدوات التسويق أو آليات البيع بالتقسيط طويلة الأجل التي يعتمد عليها المطورون، ما يضطره عند حصوله على وحدة عقارية إلى بيعها نقدًا وبخصومات كبيرة قد تتراوح بين 15 و20% لتوفير السيولة العاجلة وسداد التزاماته التشغيلية.

وأشار رئيس شركة «ديتيلز» للمقاولات إلى أن التسعير في السوق العقاري تأثر بشكل كبير بارتفاع أسعار الفائدة، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من قيمة الوحدات المطروحة يتضمن تكلفة تمويل مصرفي مرتفعة، ما أدى إلى تضخم الأسعار بصورة لا تعكس القيمة الحقيقية للعقار.

كما أن دخول عدد كبير من الشركات إلى نشاط التطوير العقاري دون دراسات جدوى كافية أسهم في زيادة المعروض، خاصة في الفئة الفاخرة، مقابل ضعف الطلب الفعلي، وهو ما عزز من أزمة السيولة لدى الشركات العاملة في القطاع.

وأكد لقمة أن استبدال المستحقات بوحدات قد يمثل دعمًا مؤقتًا للمقاول من حيث تقليل الاعتماد على الاقتراض، لكنه لا يحقق جدوى اقتصادية حقيقية، مشددا على أن الحلول المستدامة تتطلب معالجة أسباب الركود وضبط سياسات التسعير وتحقيق توازن بين العرض والطلب في السوق العقاري.

شلبي: النجاح يظل مرتبطًا بقدرة المقاول على التسويق وسرعة دوران المبيعات

وقال معتز شلبي الخبير العقاري، إن لجوء شركات المقاولات إلى الحصول على وحدات سكنية مقابل مستحقاتها لدى شركات التطوير العقاري، يعد آلية تمويلية بديلة فرضتها أزمة نقص السيولة في السوق، موضحًا أن هذه الممارسات، المعروفة بصفقات المقايضة ليست جديدة لكنها اتسعت نسبيًا مع الضغوط المالية الحالية.

أضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن شركات المقاولات تحتاج إلى سيولة نقدية فورية لتغطية التزاماتها التشغيلية، وهو ما يدفعها غالبًا إلى إعادة طرح الوحدات التي تحصل عليها للبيع بسرعة، وأحيانًا بأسعار أقل من مستويات السوق، بهدف تحويل الأصول إلى نقد.

وأوضح شلبي، أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطا بقدرة المقاول على التسويق وسرعة دوران المبيعات، مشيرا إلي أن انتشار هذه الصفقات لا يعني تحولها إلى نموذج مهيمن في القطاع، إذ لا تزال تمثل نسبة محدودة من إجمالي المعروض العقاري، وبالتالي فإن تأثيرها على تسعير السوق أو حجم المخزون غير المباع يظل محدودًا وغير جوهري في الوقت الراهن.

أضاف أن ذلك يمثل حلًا مؤقتًا لتخفيف ضغوط السيولة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة، مشددًا على أن الاستقرار الحقيقي لنشاط المقاولات يتطلب توافر التمويل النقدي واستدامة التدفقات المالية داخل السوق العقاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights