بنوك وتمويل

دفاعات البنوك تهدد طموحات الشركات.. كيف تجري هيكلة أولويات الإقراض؟

أكد خبراء مصرفيون، أن التوترات الجيوسياسية المستمرة ترفع مستوى المخاطر في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ما يدفع البنوك إلى تبني نهج أكثر تحفظًا في إدارة المخاطر.

وأشاروا لـ”البورصة”، إلى أن النشاط الائتماني سيستمر ولكن بوتيرة أكثر انتقائية، مع إعادة توجيه التمويل نحو القطاعات الأقل تأثرًا بالصدمات الخارجية.

كما توقع الخبراء، تباطؤًا نسبيًا في نمو القروض، مع ضغوط محدودة على ربحية البنوك نتيجة زيادة المخصصات الاحترازية وارتفاع تكلفة المخاطر.

ورغم ذلك، أكدوا أن القطاع المصرفي يتمتع بمرونة وسيولة تمكنه من مواجهة هذه التقلبات دون تأثير جوهري على استقراره.

قال أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تسببت في ظهور العديد من المخاطر، لا سيما المتعلقة بإمدادات الطاقة واحتمالية اضطراب حركة الملاحة في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، مضيفاً أن البنوك اعتمدت نهجاً أكثر تحفظاً في إدارة المخاطر دون التوقف عن التمويل.

وأوضح أن البنوك بطبيعتها تعيد تقييم المخاطر الائتمانية في ظل حالة عدم اليقين بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ولا تقلص الإقراض بشكل كبير، لكنها تعيد ترتيب أولويات التمويل وفق قدرة القطاعات المختلفة على تحمل الصدمات.

أشار شوقي، إلى أن الشركات تؤجل خطط التوسع أو الاستثمار، ما يؤدي إلى تباطؤ نسبي في الطلب على التمويل الاستثماري، مقابل زيادة الطلب على تسهيلات رأس المال العامل لتغطية ارتفاع تكلفة الطاقة والشحن، حيث تجاوز سعر خام برنت 110 دولارات قبل أن يستقر حول 100 دولار.

وأكد أن جزءاً من النشاط الائتماني يتحول من تمويل التوسعات طويلة الأجل إلى تمويل التشغيل والسيولة، خاصة للقطاعات الأكثر حساسية للطاقة وسلاسل الإمداد، مثل الصناعات الثقيلة والإسمنت والبتروكيماويات وقطاعات النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الدولية والشحن البحري.

أضاف شوقي، أن البنوك تستمر في دعم قطاعات أكثر استقراراً مثل الأغذية والسلع الأساسية والزراعة والقطاع الطبي والرعاية الصحية والمستلزمات الدوائية ومشروعات البنية التحتية.

وشدد على أن البنوك تتعامل مع المخاطر من خلال إعادة تسعير المخاطر الائتمانية للقطاعات الحساسة، وزيادة المخصصات، وتنويع المحافظ الائتمانية، ومراقبة التدفقات النقدية للشركات بشكل دوري، مع إمكانية إعادة هيكلة بعض التمويلات إذا واجهت الشركات ضغوطاً مؤقتة في السيولة.

واستبعد شوقي، حدوث تراجع حاد في الإقراض بل تباطؤ نسبي، مع استمرار المخاطر المتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن واضطراب سلاسل الإمداد وتقلب أسعار الصرف، ما يزيد الحاجة لضمانات إضافية ومتابعة دورية للأداء الائتماني للشركات.

أبو الخير: توجيه التمويل للقطاعات الأكثر استقرارًا.. ونمو القروض قد يصل إلى 15%

وأوضح أحمد أبو الخير، الخبير المصرفي، أن تداعيات هذه التطورات الجيوسياسية على الاقتصاد المصري لا تقتصر فقط على معدلات التضخم أو تحركات أسعار الصرف، بل تمتد إلى حركة الائتمان داخل القطاع المصرفي واتجاهات البنوك في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

وأشار إلى أن المؤسسات المالية تميل في مثل هذه الظروف إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بتمويل الشركات، خاصة تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة أو المواد الخام.

وأوضح أبو الخير، أن مثل هذه البيئة قد تؤدي إلى تباطؤ وتيرة نمو الائتمان مقارنة بالفترات التي تتسم بالاستقرار الاقتصادي، مستبعداً حدوث توقف حاد في النشاط الائتماني، وإنما قد يشهد إعادة توزيع للتمويل نحو القطاعات الأقل تأثرًا بالمخاطر الخارجية.

وأشار إلى أنه في أوقات التوترات الجيوسياسية تميل البنوك إلى تشديد معايير الإقراض تجاه القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الطاقة والتجارة الدولية، ومن بينها الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة نظرًا لاحتمالات ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الربحية.

أضاف أبوالخير، أن الشركات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد أو التمويل بالعملات الأجنبية قد تواجه تشديدًا نسبيًا في شروط الإقراض، في ظل مخاطر تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة التمويل.

و رجح أنه حال استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة ممتدة من الممكن أن تلجأ البنوك المصرية إلى مجموعة من الإجراءات الاحترازية لإدارة المخاطر منها، تعزيز عمليات تقييم الجدارة الائتمانية، ومراجعة حدود الائتمان الممنوحة لبعض القطاعات الأكثر عرضة للتقلبات، إضافة إلى زيادة الاعتماد على الضمانات أو اللجوء إلى التمويلات المشتركة بين أكثر من بنك بهدف توزيع المخاطر.

وفي المقابل، أشار إلي أن البنوك قد تتجه إلى دعم القطاعات التي تتمتع بقدر أكبر من المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية، مثل قطاعات الاتصالات والخدمات وبعض الأنشطة المرتبطة بالطلب المحلي، إلى جانب احتمال زيادة المخصصات الائتمانية كإجراء احترازي لمواجهة أي ارتفاع محتمل في معدلات التعثر.

وتوقع أبو الخير، أن يستمر نمو القروض لدى البنوك المصرية ولكن بوتيرة أكثر اعتدالًا مقارنة بالفترات التي تشهد استقرارًا اقتصاديًا.

وأوضح أنه حال بقاء التوترات الجيوسياسية ضمن نطاق محدود، فقد يتراوح معدل نمو القروض بين 10% و15% سنويًا مدفوعًا بتمويل المشروعات والأنشطة المحلية، بينما قد يتراجع هذا المعدل إلى نطاق يتراوح بين 5% و8% إذا تصاعدت التوترات وارتفعت أسعار الطاقة لفترة ممتدة، نتيجة تباطؤ الطلب الاستثماري من جانب الشركات.

وأضاف أن ربحية البنوك قد تتعرض في البداية لبعض الضغوط المحدودة نتيجة تباطؤ نمو الائتمان وزيادة المخصصات الاحترازية، إلا أن القطاع المصرفي المصري لا يزال يتمتع بوضع قوي نسبيًا، مدعومًا بمستويات سيولة مرتفعة وتنوع مصادر الدخل، وهو ما يمنحه قدرًا من المرونة في مواجهة التقلبات الاقتصادية.

أشار أبو الخير، إلى أن أبرز المخاطر التي قد تواجه قطاع الشركات في ظل هذه التطورات تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار الصرف، فضلًا عن احتمال تراجع الطلب في بعض الأسواق الخارجية، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل هوامش الربحية لدى بعض الشركات وزيادة الضغوط على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.

وجيه: التوترات الجيوسياسية قد تبطئ نمو القروض 10% وتضغط أرباح البنوك 7%

وقالت الخبيرة المصرفية، شيماء وجيه، إن تقلبات أسعار الطاقة وتصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران ينعكس بشكل مباشر علي تكاليف الإنتاج والنقل ويزيد من مستويات المخاطر ، وهو ما يدفع البنوك إلى تبني قدر أكبر من الحذر في التوسع الائتماني.

أضافت أن هذه التطورات قد تدفع بعض الشركات إلى زيادة الاعتماد على التمويل المصرفي لتغطية ارتفاع تكاليف التشغيل أو تدبير احتياجاتها من السيولة، وفي المقابل، تميل البنوك إلى إعادة ترتيب أولويات الإقراض والتركيز على القطاعات الأقل تعرضًا للصدمات الخارجية، وهو ما يجعل النشاط الائتماني مستمرًا ولكن بوتيرة أكثر انتقائية.

وأشارت وجيه، إلى أن البنوك خلال فترات التوترات الجيوسياسية تعيد تقييم مخاطر القطاعات الاقتصادية المختلفة، خاصة تلك التي تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة. ومن بين القطاعات التي قد تشهد قدرًا أكبر من الحذر في التمويل قطاع السياحة والسفر، إلى جانب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات، فضلًا عن بعض الأنشطة المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.

وأوضحت أن البنوك تستمر عادة في دعم القطاعات التي تتمتع بطلب مستقر مثل قطاع الأغذية والسلع الأساسية والخدمات الصحية والاتصالات والتكنولوجيا، إضافة إلى الأنشطة المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة المتجددة، باعتبارها أكثر قدرة على التكيف مع التقلبات الاقتصادية.

قالت وجيه، إنه في بعض الحالات قد تلجأ البنوك إلى إعادة جدولة التمويلات القائمة للشركات التي تتأثر مؤقتًا بالتقلبات الاقتصادية، بما يساعد على الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وتقليل احتمالات التعثر، مع الاعتماد بشكل أكبر على التحليل القطاعي والسيناريوهات الاقتصادية المستقبلية في تقييم المخاطر.

كما توقعت أن يشهد القطاع المصرفي تباطؤًا نسبيًا في وتيرة نمو القروض وليس انكماشًا، حيث تميل البنوك في مثل هذه الظروف إلى التوسع الحذر في الإقراض.

وأوضحت أنه حال استمرار التوترات لفترة ممتدة قد تتراجع معدلات نمو القروض لدى بعض البنوك بنحو يتراوح بين 5% و10% مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

أما على مستوى ربحية القطاع المصرفي، فقد أشارت إلى أنها قد تتأثر بشكل محدود نتيجة ارتفاع تكلفة المخاطر وزيادة المخصصات الاحترازية، حيث قد تتراجع أرباح البنوك بنسبة تتراوح بين 3% و7% إذا استمرت حالة عدم اليقين لفترة طويلة.

أكدت وجيه، أن القطاع المصرفي في مصر يتمتع بقاعدة رأسمالية قوية ومستويات سيولة مرتفعة تمكنه من التعامل مع هذه الصدمات.

وأوضحت أن أبرز المخاطر التي قد تواجه قطاع الشركات في ظل هذه التطورات تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وتقلب أسعار الصرف، فضلاً عن اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل قد تضغط على هوامش الربحية وتؤثر على التدفقات النقدية للشركات.

وأكدت أن البنوك تعمل على متابعة الأوضاع المالية لعملائها بشكل أكثر دقة قبل التوسع في منح التمويلات، كما تعتمد على عدة آليات لتقليل المخاطر المحتملة، من بينها تنويع المحافظ الائتمانية وتعزيز أدوات التحليل الائتماني وزيادة الضمانات المرتبطة بالتمويل، إلى جانب التركيز على تمويل الشركات ذات المراكز المالية القوية.

وشددت على أن القطاع المصرفي يظل أحد الركائز الأساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي، ويسهم في استمرار تدفق التمويل للأنشطة الإنتاجية مع إدارة المخاطر بكفاءة خلال فترات عدم اليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights